محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٦٦ - الخطبة الأولى
دائما في النهاية، لا لنحقّر من ذواتنا، ونحطّمها، وإنما لنعقل، لنكون موضوعيين، لنبحث عن الطريق الذي نكبر من خلاله ونرقى ونسمو بسلوكه، وليس من طريق كذلك إلَّا طريق الاتجاه إلى الله، وأن نعيش عبوديتنا الصادقة الخالصة الخاضعة له، المستمدة من فيضه وعطائه.
" عجباً للمتكبّر الفخور، الّذي كان بالأمس نطفة ثمّ هو غداً جيفة" ٤ عن زين العابدين عليه السلام.
" (من كلام النّبيّ صلّى الله عليه وآله يوم فتح مكة": إنّ الله تبارك وتعالى قد أذهب عنكم بالإسلام نخوة ٥ الجاهلية، والتّفاخر بآبائها وعشائرها، أيّها النّاس إنّكم من آدم ٦ وآدم من طين ٧، ألا وإنّ خيركم عند الله وأكرمكم عليه اليوم أتقاكم، وأطوعكم له" ٨.
نخوة الجاهلية وعظمتها هي عظمة عصبيّات، يعتدي ويظلم فيسيطر فيفتخر، يسرق مالًا، ويكبر حجم المال بيده ويتبذخ فيفتخر، تكون له قوة عضل، وطول أظفار، وطول أنياب فيستطيع أن يفتك، وأن يغلب ويقهر الآخر فيفتخر. وقاعدة كل ذلك باطل، وظلم، وفساد، فهذه العظمة عظمة ملغية في الإسلام، ولا يصح الافتخار بها. الموقع الكبير الحق والذي لا يصح التفاخر به أيضاً لأن مرجعه إلى الله لا للعبد هو لزوم طريق التقوى، هو كمال النفس وصفاؤها وجمالها، وكل ذلك إذا كان فهو من نعمة الله وهبته فلا فخر.
" أتى رسول الله صلّى الله عليه وآله رجل فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أنا فلان بن فلان ٩ حتّى عدّ تسعة، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: أما إنّك عاشرهم في النّار" ١٠.
كأن التسعة كلّهم في النّار، وهو عاشر التسعة الذين مصيرهم النار لأنهم كانوا على جاهلية، على كفر بالله، على مفاخرة الجاهلية. ويقول الحديث هذا الافتخار الجاهلي منك إنما يقودك إلى النّار.