الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢١٤
يؤتى منه و حبله المتّصل بينه و بين عباده من رسل و أنبياء و حجج و أولياء؟ هذا مع أنّ مقابرهم (عليهم السلام) مشاهد أرواحهم العلية المقدّسة و محالّ حضور أشباحهم البرزخية النورية، فانّهم هناك يشهدون و هم أحياء عند ربّهم يرزقون و بما آتاهم اللّه من فضله فرحون.
و أمّا الحجّة و العمرة و الغزوة و غير ذلك، فانّها و إن كان فيها أيضا إنفاق أموال و رجاء آمال و إشخاص أبدان و هجران أوطان و تحمّل مشاق و تجديد ميثاق و شهود شعائر و حضور مشاعر، إلّا أنّها ليست بتلك المثابة في المثوبة؛ لأنّ هذه إنّما هي عبادة للّه سبحانه و إجابة لأمره عزّ ذكره و مسرّة له و لأوليائه بالإتيان بالعبادة فحسب، و ليست فيها جميع تلك الامور التي نبّهنا عليها هناك مع أنّها تتأتّى من كلّ مدّع للإسلام، و إن كان ناصبيا، بخلاف تلك فإنّها لا تتأتّى إلّا ممّن كان يعرف قدرا من قدرهم و طرفا من منزلتهم و لو ناقصا.
و أمّا اختلاف الأخبار الواردة في مقدار فضل زيارتهم (عليهم السلام) على الحجّة و العمرة و غيرها فتارة ورد أنّها تعدل حجّة و اخرى انّها أفضل من عشرين حجّة و عشرين عمرة أو مائة أو ألفا و غير ذلك، فلعلّ الوجه فيه اختلاف الناس في عرفان حقّهم و حرمتهم و تفاوت درجاتهم في إخلاص النيّة في زيارتهم (عليهم السلام) و تباينهم في سهولة إتيانهم بالحجّ و صعوبته، و ليعلم أنّ كلّ عبادة بخصوصها وسيلة إلى اللّه سبحانه و إلى مغفرته من جهة ليست تلك الجهة في عبادة اخرى، و كلّ عبد و إن ناسب عبادة هي في حقّه أحرى، و لكن ليس بالحري أن يترك عبادة من رأسها لكون غيرها بها أولى وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهٰا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ [١] و «كلّ ميسّر لما خلق له.»
[١٣٥٩] ٢٠. الكافي و الفقيه و التهذيب: عن الرضا (عليه السلام): «انّ لكلّ إمام عهدا في عنق أوليائه و شيعته، و إنّ من تمام الوفاء بالعهد و حسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم و تصديقا بما رغبوا فيه كان أئمّتهم شفعاءهم يوم القيامة» [٢].
[١٣٦٠] ٢١. الكافي و الفقيه و التهذيب: عن الصادق (عليه السلام): «إذا بعدت بأحدكم الشقّة و نأت به الدار
[١]. سورة البقرة (٢): ١٤٨.
[٢]. الكافي ٤: ٣٥٣/ ٥٦٧/ ٦، الفقيه ٢: ٣١٢/ ٥٧٧/ ٣١٦٠، التهذيب ٦: ٧٨/ ٢٢/ ٣.