بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٦٧ - إذا رجع الباذل عن بذله فهل ينفذ وضعاً؟
بشأنه من وجهين أيضاً ..
(الوجه الأول): أنه لم تثبت حرمة نبش قبر المسلم إلا من خلال الإجماع المدعى في كلمات غير واحد، وهو دليل لبي يقتصر فيه على القدر المتيقن، والمقام خارج منه فإن القدر المتيقن من حرمة النبش هو ما إذا لم يتراجع المالك عن إذنه.
نعم إذا كان النبش موجباً لهتك حرمة الميت لطروّ الفساد على بدنه وانتشار رائحته حرم النبش من هذه الجهة، لأن حرمة المسلم ميتاً كحرمته وهو حي كما ورد في النصوص [١] .
ولكن مع رجوع المالك عن إذنه يقع التزاحم بين حرمتين: حرمة مال المسلم، وحرمة الميت المسلم. إذ لو أريد رعاية حرمة الميت المسلم فلا بد من عدم نبش القبر بل إبقاء الميت في مكانه، ولكن في ذلك تجاوز على مال المسلم وإذا أريد رعاية حرمة مال المسلم فلا بد من النبش ولكن فيه هتك لحرمة الميت المسلم فيقع التزاحم بين الحرمتين. ويمكن أن يلتزم بأن الترجيح في مثل ذلك لحرمة الميت المسلم فلا يجوز النبش.
ولكن هذا غير كون النبش محرماً بعنوانه لكي يقال بأنه من أحكام حصول الدفن على الوجه الصحيح.
هذا ولكن يمكن أن يجاب عن هذا الوجه بأن الدليل على حرمة نبش قبر الميت المسلم ليس منحصراً في الإجماع ــ وإن كان هذا هو المذكور في كلمات جملة من المتأخرين ــ بل يمكن الاستناد في حرمته إلى دليل وجوب الدفن نفسه، لأن المتفاهم العرفي منه بمقتضى مناسبات الحكم والموضوع هو أن متعلق الأمر بالدفن ليس هو طبيعي الدفن الصادق على مواراة الميت تحت التراب ولو لبعض الوقت بل خصوص حصة خاصة من المواراة، وهي المواراة المستمرة إلى أن يتلاشى البدن، ولذلك يجب دفنه ثانياً إذا ظهر ولو بفعل إنسان أو حيوان أو غيرهما. وعلى هذا فلا يجوز نبش قبر المسلم لمنافاته مع الأمر بدفنه.
[١] تهذيب الأحكام ج:١٠ ص:٢٧٣.