بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٦ - هل الإباحة الشرعية مثل الإباحة المالكية لو بني على الاكتفاء بها في تحقق الاستطاعة؟
بينهما، مع أنه ليس بناء الفقهاء على الاجتزاء بها في حصول الاستطاعة. فلا يجب الاصطياد والاحتطاب وأخذ المعدن ونحو ذلك إذا أمكن المكلف ذلك، لكونه مستطيعاً بمجرد الإباحة في التصرف.
وقد استغرب هذا الوجه معظم الناظرين في كلامه (قدس سره) ، ومنهم السيد الأستاذ (طاب ثراه) حيث قال [١] : (إن ما أفيد من قياس الإباحة المالكية على الإباحة الشرعية من غرائب الكلام، ضرورة أن القدرة على الحج في الثانية ــ أي في الإباحة الشرعية ــ إنما تحصل بعد الاصطياد والتصدي للاستيلاء على المباحات الأصلية، وأما قبل ذلك فلا قدرة عليه بوجه، والمفروض عدم وجوب تحصيلها ــ أي القدرة ــ فليس هو بمستطيع فعلاً بالضرورة. وهذا بخلاف الإباحة المالكية لأن المفروض أن المالك قد مكنه من الزاد والراحلة فعلاً، وأباح له التصرف فيهما كيفما شاء، فهو بالفعل واجد لما يحج به وجداناً وإن لم يكن مالكاً له. فقياس أحدهما بالآخر قياس مع الفارق الظاهر جداً).
أقول: إن القائل بكفاية الإباحة المالكية إن كان يقول بكفايتها مطلقاً أي حتى مع عدم صيرورة المال تحت تصرف المباح له واستيلائه ــ كما لو أعرض المالك عن سفينته الغارقة وأباح للآخرين التصرف فيما ينقذونه منها بالغوص، أو قال شخص لآخر: (أبحت لك التصرف في أموالي التي في البلد الكذائي) ولم تكن تلك الأموال تحت يد الثاني ولا تصبح كذلك إلا بالسفر إلى ذلك البلد ــ فإنه يتجه نقض السيد الحكيم (قدس سره) عليه بمورد الإباحة الشرعية، إذ أي فرق بين القدرة على أخذ مال من السفينة الغارقة في البحر وبين القدرة على اصطياد السمك منه. وكون الأول مورداً للإباحة المالكية والثاني للإباحة الشرعية ليس فارقاً.
وأما إذا كان يقول بكفاية الإباحة المالكية مع كون المال تحت يد المباح له واستيلائه ــ كما هو الصحيح وسيأتي وجهه ــ فالنقض بمثل القدرة على الاصطياد والاحتطاب وأخذ المعدن، مما يتوقف على بذل جهد عضلي لتحصيل
[١] مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:١ ص:١٤٩.