بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٤٣ - هل يجوز أن يشترط على الفقير صرف ما يعطى له من الزكاة من سهم الفقراء في أداء الحج؟
بإشباع ونحوه [١] ..
[١] تجدر الإشارة إلى أن صاحب الجواهر (قدس سره) ذكر في بعض كلماته (جواهر الكلام ج:١٥ ص:٣٨٤) أنه يعتبر التمليك للفقير في سهم الفقراء والمساكين من الزكاة، مدعياً ظهور الأدلة ــ خصوصاً السنة ــ في ترتب الملك على القبض بالنسبة إلى هذا السهم.
ورده السيد الحكيم (مستمسك العروة الوثقى ج:٩ ص:٢٧٨) والسيد الأستاذ (مستند العروة الوثقى (كتاب الزكاة) ج:٢ ص:١٤٠ ط:إيران) (قُدِّس سرُّهما) بأنه ليس للأدلة ظهور في ما ذكره، فإن الوارد فيها هو وجوب إيتاء الزكاة، والإيتاء يتحقق بكل من التمليك والصرف على حدّ سواء.
ولكن يمكن الاستدلال لما أفاده صاحب الجواهر (قدس سره) بالنصوص الدالة على الأمر بإغناء الفقير عند دفع الزكاة إليه ــ أي إعطاؤه حدّ الإغناء ــ كمعتبرة سعيد بن غزوان عن أبي عبد الله ٧ قال: ((تعطيه من الزكاة حتى تغنيه))(الكافي ج:٣ ص:٥٤٨)، وموثقة عمار بن موسى عن أبي عبد الله ٧ أنه سئل كم يعطى الرجل من الزكاة؟ قال: قال أبو جعفر ٧ : ((إذا أعطيت فأغنه)) (الكافي ج:٣ ص:٥٤٨).
ووجه الاستدلال أنه لا يتحقق الإغناء بمجرد تمكين الفقير من التصرف في الزكاة وإن كانت بمقدار مؤونته السنوية وإنما يتحقق بتمليكه إياها، فإنه بذلك يصدق أنه غني، ولولا أنه يعتبر في إعطاء الزكاة التمليك لم يكن هناك معنى لجعل الإغناء حدّاً له.
ولكن يمكن أن يناقش في هذا الاستدلال بأنه لو سُلِّم عدم صدق الغنى إلا مع الملكية ــ وعدم كفاية امتلاك حق التصرف على وجه اللزوم الوضعي ــ فإنه يمكن أن يقال: إن النصوص المذكورة إنما هي بصدد بيان حدِّ ما يجوز تمليكه للفقير من الزكاة ولا يستفاد منها لزوم أن يكون الإعطاء على وجه التمليك كما هو المدعى.
بل يمكن أن يقال: إن نسبة الإغناء إلى المالك لا تقتضي أن تكون له الولاية على التمليك بل لعل الولاية للفقير على التملك، وإنما ينسب الإغناء إلى المالك من حيث تسبيبه إلى صيرورة الفقير غنياً بجعل الزكاة في متناول يده ليتملكها.
وبالجملة: إن أقصى ما يستفاد من النصوص المذكورة هو أن للفقير أن يتملك الزكاة فيصير غنياً، وأما اعتبار أن يكون ذلك بتمليك المالك عند إعطائها إليه فلا دلالة فيها عليه، فليتأمل.
وعلى ذلك فإن دور المالك يتمثل في جعل الزكاة في متناول يد الفقير والإذن له في التصرف فيها ــ كما هو مقتضى الأمر بالإيتاء ــ فإن شاء تملكها وإن شاء صرفها على نفسه كأن يأكل تمر الزكاة من دون أن ينوي تملكه قبل ذلك بل يجوز له أن يبقي الزكاة على حالها ويستفيد من منافعها كالشاة الحلوبة لا يتملكها وإنما يستفيد من حليبها.
ولعله لذلك ورد في النصوص (الكافي ج:٣ ص:٥٦١ــ٥٦٢) عنوان (من تحل له الزكاة) فإنه يعم التصرف فيها بأيٍّ من الأنحاء الثلاثة.
ويؤيد هذا بل لعله يدل عليه ما ورد في موثقة سماعة عن أبي عبد الله ٧ : ((إذا أخذ الرجل الزكاة فهي كماله يصنع بها ما يشاء))، وقال: ((إن الله عزَّ وجل فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضة لا يحمدون إلا بأدائها وهي الزكاة، فإذا هي وصلت إلى الفقير فهي بمنزلة ماله يصنع بها ما يشاء))، فقلت: يتزوج بها ويحج بها؟ قال: ((نعم هي ماله))(الكافي ج:٣ ص:٥٥٦). فإن قوله ٧ : ((فهي كماله)) وقوله: ((هي بمنزلة ماله)) يدل على عدم اعتبار قصد التملك في ما يصل إلى الفقير من الزكاة قبل التصرف فيها، بل يجوز له إبقاؤها على حالها زكاة، ولكن يتصرف فيها بمثل التصرفات التي تجوز له في ماله، كأن يجعلها مهراً في زواجه أو يدفعها نفقة لحجه أو نحو ذلك.
فإنه لو لم يكن يجوز له أن يتصرف فيها إلا بعد تملكها لما كان وجه لتشبيهها بماله وتنزيلها منزلته، بل كان ينبغي أن يقول ٧ : (إذا وصلت إلى الفقير تملكها ثم يصنع بها ما يشاء).
وبذلك يعرف أنه لا بد من حمل قوله ٧ : ((نعم هي ماله)) على التنزيل، بقرينة التصريح قبل ذلك بأنه بمنزلة ماله. ولا يخفى الفرق بين التعبيرين، فهو كالفرق بين قولنا: (زيد أسد)، وقولنا: (زيد كالأسد)، فكلاهما يدل على كون زيد شجاعاً، ولكن الأول آكد في الدلالة على ذلك.