بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٢٧ - هل يعتبر في البذل أن يثق المبذول له باستمراره إلى آخر أزمنة الحاجة إليه؟
الأصل في منشأ انتزاعه لأنه يعدّ من قبيل الأصل المثبت. فإذا شك في بقاء الاستطاعة لشكه في رجوع الباذل لم يمكنه التمسك باستصحاب بقاء البذل لأنه لا يثبت عنوان الاستطاعة الذي هو عنوان انتزاعي حسب الفرض.
وثالثاً: إن مقتضى نصوص البذل هو كون المراد بالاستطاعة العرفية المذكورة في الآية المباركة ما هو أوسع مما تقتضيه صحيحة معاوية بن عمار الدالة على اعتبار وجود المال بالفعل. وقد مرَّ أن الصحيحة مقيدة لإطلاق الآية الكريمة، ولكن نصوص البذل مقيدة للصحيحة، وتكون النتيجة أن الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج هي الأعم من الاستطاعة غير البذلية التي تتحقق بتوفر المال بالفعل والاستطاعة البذلية التي يكتفى فيها بمجرد عرض الحج وبذل نفقته وإن لم يقبل المبذول له ذلك.
وبذلك يتبين أنه مع الشك في رجوع الباذل عن بذله لا سبيل إلى إجراء استصحاب بقاء البذل، إذ لا عبرة به بعنوانه بل العبرة بعنوان الاستطاعة العرفية، التي مرَّ أنه لا يمكن إثباتها بإجراء الأصل في منشأ انتزاعها.
وهذا على خلاف ما لو بني على أن البذل موضوع على حده لوجوب الحج، أي أن المستطيع الذي أخذ موضوعاً لوجوبه في الآية الكريمة إنما هو من يملك المال الوافي بنفقته، وأما من بذل له الحج فإنما يجب عليه أداؤه بمقتضى النصوص الخاصة، ولا يجب عليه أداؤه مرة أخرى وإن تحققت له الاستطاعة لاحقاً، لأنه مستثنى من وجوب الحج على المستطيع، فإنه وفق هذا المبنى إذا شك في استمرار البذل يمكن الرجوع إلى استصحاب بقائه إلا في نفقة العيال ونحوها مما لا يشمله نصوص البذل حسب ما مرَّ بيانه.
وفي ضوء ما تقدم من الأمور الثلاثة يمكن القول بأن مقتضى اعتبار الاستطاعة العرفية في وجوب الحج هو أنه لا بد من الوثوق باستمرار البذل حتى يجب على المبذول له أداء الحج.
اللهم إلا أن يقال: إن هذا إنما يتم مع الغض عن أصالة القدرة التي مرّ ترجيح أنها أصل عقلائي مستقل، ومقتضاها أنه متى شك المكلف في قدرته على