بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٩٥ - استعراض الروايات الدالة على كفاية البذل في تحقق الاستطاعة
هذا والصحيح أن ما استبعده (قدس سره) من التفكيك في مفاد صحيحة الحلبي وما يماثلها ــ كصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة ــ بحمل الصدر على مفاد الحكم الفقهي والذيل على مفاد الحكم الأخلاقي في محله.
ولكن يمكن التفكيك بين الصدر والذيل فيها على وجه آخر، وهو التفكيك في الحجية، أي البناء على أن الحكم في كليهما فقهي إلزامي، ولكن يؤخذ بما يشتمل عليه الصدر من تحقق الاستطاعة بالبذل وعدم كون الاستحياء عن الحج بمال الغير عذراً في عدم قبوله ولا يؤخذ بما يدل عليه الذيل من تحقق الاستطاعة بالبذل ولو على وجهٍ غير لائق بحال المبذول له، لتسالم الفقهاء على أنه لا يلزم قبول بذل الحج إذا كان كذلك، والتفكيك في الحجية بين فقرات الرواية الواحدة ليس بعزيز في الفقه، فليكن المقام منه، فليتأمل.
هذا وقد يقال: إنه لا تصل النوبة إلى التفكيك في الحجية بين الصدر والذيل في صحيحتي الحلبي ومحمد بن مسلم بل هناك وجوه أخرى يمكن التفصي بها عن ذلك، وهي ..
الوجه الأول: حمل الذيل على فرض يناسب ركوب الحمار الأجدع الأبتر.
وهذا ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) في بعض كلماته قائلاً [١] : (إن الذل والإهانة في ركوب الحمار مقطوع الأنف والذنب إنما يختص بالشريف الذي لا يناسب شأنه فيكون تحمله عليه حرجياً، وأما الوضيع كالحمال والبقال ونحوهما ممن يليق ذلك بشأنه فلا عسر ولا حرج بالإضافة إليه بوجه، وعليه فمفاد الصحيحتين لا يتجاوز الإطلاق القابل للتقييد بدليل نفي الحرج).
ولكن هذا الوجه ضعيف، فإنه لا ينبغي الشك في أن الحمار الأجدع الأبتر لم يكن مركوباً يليق بشأن معظم الناس في ذلك العصر بحيث إنه كان يعدّ من مركوب الشهرة نظير لباس الشهرة الذي يظهر الإنسان في شنعة وقباحة عند الناس ويوجب إذلاله وهتك حرمته.
[١] مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:١ ص:٩٦.