بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٨٢ - حكم ما لو وهبه المال وخيَّره بين الحج به وصرفه في مورد آخر
وهذا الوجه وإن كان يظهر من التقرير أنه بيان آخر للوجه السابق إلا أنه مغاير معه تماماً كما لا يخفى، ولكنه هو المناسب لمبنى السيد الأستاذ (قدس سره) في الوجوب التخييري من كون متعلقه هو الجامع الانتزاعي، فإن مقتضاه أن يلتزم هنا أيضاً بكون البذل للجامع بين الحج وغيره.
ومهما يكن فإنه يمكن أن يلاحظ على هذا الوجه ..
أولاً: بأنه إن تم فإنما يتم في الصورة الثالثة حيث فرض كون التخيير بين صرف المال في الحج وصرفه في مورد معين آخر كالزيارة، وأما في الصورة الثانية حيث فرض كون التخيير بين صرف المال في الحج وعدم صرفه فيه فليس ذلك من قبيل البذل للجامع بل من قبيل البذل المطلق، والتخيير في مثله يماثل التخيير العقلي بين أفراد الطبيعي ولا يشبه التخيير الشرعي بين الواجبين التخييريين.
وبالجملة: لا ينبغي تعليل عدم تحقق الاستطاعة البذلية في الصورة المذكورة بكون البذل فيها للجامع، بل ينبغي تعليله بكونه من قبيل البذل المطلق، نظير ما يأتي في الصورة الرابعة.
وثانياً: بما أفاده بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] من أنه لا وجه لقياس الصورة الثالثة المذكورة بباب الوجوب التخييري، فإن الالتزام بتعلق الوجوب بعنوان أحدهما في باب الوجوب التخييري إنما هو لأجل خصوصية في نفس الوجوب لا مطلق موارد التخيير. ومن الواضح عدم امتناع تعلق الإباحة بكلٍّ من الموضوعين ــ أعني الحج والزيارة ــ فالمال مباح صرفه فعلاً في الحج كما أنه مباح صرفه فعلاً في الزيارة، ولا محذور فيه. وعليه فعرض الحج متحقق في هذه الصورة فيجب لتحقق موضوعه.
ولكن هذا الكلام غير تام، فإن عرض الحج لا يتحقق بمجرد إباحة صرف المال في أدائه وإلا لوجب الالتزام به فيما لو بذل المال ولم يذكر الحج بخصوصه، لصدق أن المال مباح صرفه فعلاً في الحج، مع أن هذا القائل لا يلتزم بتحقق الاستطاعة في مثله.
[١] المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحج) ج:١ ص:١٢٦.