بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٧٣ - إذا رجع الباذل عن بذله فهل ينفذ وضعاً؟
الأمر بأداء حجة الإسلام ثم انكشف خلافه برجوع الباذل، وهذا لا يقتضي البطلان بوجه، سواء قصد امتثال الأمر المذكور على سبيل التوصيف أو التقييد. والفرق بينهما ــ كما تقدم في بحث سابق [١] ــ هو أنه مع انكشاف الخلاف يكون الأمر في مورد التقييد خيالياً لا واقعية له، لأنه قد حدد بالخصوصية المتوهمة في الرتبة السابقة على جعله مرآة للواقع وحاكياً عنه. وأما في التوصيف فذات الأمر له واقعية دون الخصوصية، لأن توصيفه بها قد أتى في الرتبة المتأخرة عن جعله مرآة للواقع، وهذا ما يسمى بالخطأ في التطبيق.
توضيح ذلك: أن كل ما يوجد في أفق النفس من صور الأشياء الموجودة في الخارج فإنما هي كلية قابلة للانطباق على كثيرين ــ حتى صورة زيد مثلاً ــ وإنما تصبح جزئية بالإشارة الذهنية إلى ما ينطبق عليها في الخارج.
ومن ذلك الأمر الذي يكون في أفق نفس المكلف ــ وهو الذي يتأثر به دون الأمر الخارجي ــ فإنه يكون كلياً في حدِّ ذاته، أي قبل جعله مرآة عما في الخارج وهو الأمر الصادر من قبل الشارع المقدس، فإن قيّده بالخصوصية المتوهمة ــ وهي كونه أمراً وجوبياً مثلاً ــ قبل أن يشير به بالإشارة الذهنية إلى الأمر الصادر من قِبل الشارع ــ الذي هو استحبابي حسب الفرض ــ أدى ذلك إلى امتناع انطباقه عليه وجعله حاكياً عنه، فيكون حينئذٍ أمراً خيالياً لا واقع له. وأما إذا جعله مرآة عن الأمر الصادر من الشارع المقدس وربطه به بالإشارة الذهنية قبل تقييده بالخصوصية المتوهمة فإنه تكون الإشارة به إليه صحيحة وواقعة في محلها، وبها يكون قد أصبح جزئياً غير قابل للتقييد، لأنه إنما يعقل التقييد في الكليات وأما الجزئي فلا سعة له ليضيق. نعم هو قابل للتوصيف ولكن التوصيف قد يكون خاطئاً كما هو في مفروض الكلام.
والحاصل: أن قصد امتثال الأمر الوجوبي مع كونه في واقعه استحبابياً يكون على نحوين: إما على سبيل التقييد، ولازمه كون الأمر الذي ينبعث عنه المكلف خيالياً. وإما على سبيل التوصيف، ومقتضاه أن يكون الأمر واقعياً ولكن
[١] لاحظ ج:١ ص:٥٥٣.