بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٤ - حكم ما لو تلفت مؤونة العود إلى الوطن أو مؤونة الذهاب إلى بلد آخر
يخفى. ونظير ذلك ما لو توضأ ثم تبين أن الوضوء كان ضررياً ضرراً لم يبلغ حد الحرمة، فإنه لا يمكن الحكم بفساده حينئذٍ استناداً إلى دليل نفي الضرر، لكونه على خلاف الامتنان. ولا يجري دليل نفي الضرر أو نفي الحرج إلا في مورد يكون رفع الحكم منّة لا على خلاف المنّة).
والملاحظ أن ما أفاده (قدس سره) يقتضي خلاف ما أفتى به في المتن، حيث حكم فيه بأن تلف مؤونة العود إلى الوطن يكشف عن عدم تحقق الاستطاعة من الأول. وكأنه كان يتبنى حين تحرير رسالة المناسك اقتضاء دليل الاستطاعة اعتبار التمكن من نفقة الإياب أيضاً، ثم عدل عن ذلك لاحقاً أو أنه كان يرى جريان قاعدة نفي الحرج ثم تبدل رأيه الشريف في ذلك.
وكيفما كان فقد أجيب [١] عن البيان المذكور بأن مفاد القاعدة هو نفي جعل الحكم الناشئ من قبله الحرج، وبما أن وجوب الحج حرجي في المقام فهو منتف بالقاعدة. واعتقاد المكلف بعدم كونه حرجياً لا يمنع من شمول القاعدة له، باعتبار أن موضوعها الحرج الواقعي دون العلمي.
وإن شئت قلت: إن قاعدة نفي الحرج لا تختص بالحرج المعلوم، بل تنفي الحكم الذي يتسبب في وقوع المكلف في الحرج، سواء علم المكلف مسبقاً أنه يتسبب فيه أم جهل ذلك. ففي كلتا الحالتين يكون عدم ثبوت التكليف في حقه من البداية وقبل شروعه في العمل على وفق الامتنان. وجهله بعدم ثبوت التكليف في حقه لتسببه في الحرج لا يقتضي عدم كون رفعه عنه امتنانياً، بل هو امتناني ولو جهل المعنى المذكور.
وبعبارة أخرى: إن ذلك التكليف لما كان في علم الله تعالى موجباً لوقوع الشخص في الحرج الشديد كان عدم جعله في حقه من الأول على وفق الامتنان، فلأجل ذلك لم يُجعل. ولا ينقلب عدم الجعل المذكور إلى كونه على خلاف الامتنان من جهة جهل الشخص بعدم توجه التكليف إليه وتجشمه عناء الإتيان بالعمل. فلا محيص من الالتزام بعدم وقوع حجه في مورد الكلام مصداقاً لحجة
[١] تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:٨ ص:١١٣.