بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦١٥ - المناقشة في ما قيل من أنه لو كان النذر مانعاً عن الاستطاعة للحج يلزم لغوية تشريع وجوبه
من فعليه وجوب الحج مع تحقق الاستطاعة إليه لزم لغوية تشريع وجوبه.
وأما إذا نذر زيارة الحسين ٧ في يوم عرفة في عام معين فراراً عن توجه التكليف إليه بأداء الحج في ذلك العام فقط فلا يبرز محذور من صحة ذلك النذر وكونه مانعاً من فعلية وجوب الحج عليه لعام واحد ولا سيما إذا ضمَّن نذره الإتيان بالحج في العام اللاحق على تقدير بقاء الاستطاعة.
وحاصل الكلام: أن البيان المتقدم لإثبات أن نذر الزيارة ونحوها لا يمنع من وجوب الحج على الناذر إذا تحققت له الاستطاعة إليه لما لم يكن مستنداً إلى دليل لفظي ليؤخذ بإطلاقه [١] بل كان الأساس فيه هو القطع الخارجي بأن تشريع
[١] تجدر الإشارة إلى أنه قد ورد في معتبرة عبد الله بن سنان بشأن ما حكي عن بعض فقهاء الجمهور من أن العتق أفضل من الحج قول الصادق ٧ : ((كذب وأثم، الحجة أفضل .. ولو كان كما قال لعطل الناس الحج، ولو فعلوا كان ينبغي للإمام أن يجبرهم على الحج إن شاءوا وإن أبوا، فإن هذا البيت إنما وضع للحج)) (تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٢٣).
وهذه الرواية الشريفة تتضمن نفي الإمام ٧ كون العتق أفضل من الحج معللاً ذلك بأنه لو كان كذلك لعطل الناس الحج، وربما يدعى أن مثل هذا التعليل يجري أيضاً في مورد النذر المزاحم لأداء الحج، إذ يمكن أن يقال: إنه إذا كان نذر أي عمل راجح مزاحم للإتيان بالحج مسوغاً لترك أداء الحج حتى مع تحقق الاستطاعة إليه لكان هذا أيضاً سبيلاً إلى تعطيل هذه الشعيرة، وحيث إنه غير جائز بمقتضى هذه الرواية فلا بد من البناء على تقديم الحج على النذر.
ولكن هذا الاستدلال ضعيف من جهتين ..
الجهة الأولى: أن أقصى ما يستفاد من الرواية هو أنه إذا كان هناك عمل أفضل من الحج وأقل منه مؤونة من حيث الجهد البدني والكلفة المالية لفضّله الناس على أداء الحج، مما يؤدي ذلك إلى تعطيل البيت، ولكن الوفاء بالنذر المزاحم لأداء الحج وإن كان أخف منه مؤونة إلا أنه ليس بأفضل منه يقيناً. ولا مؤشر إلى أن الناس يعزفون عن أداء الحج مع ما فيه من الثواب العظيم والفوائد الجليلة لمجرد كون الوفاء بالنذر أخف منه مؤونة بحيث يؤدي ذلك إلى تعطيل هذه الشعيرة.
وبالجملة: إن ما يمكن أن يلحق بالعتق في ما ذكره الإمام ٧ هو كل عمل يكون أكثر ثواباً من الحج والوفاء بالنذر ليس كذلك وإنما هو أخف مؤونة منه، ولا دليل على ترتب المحذور المذكور في الرواية في ما لا يكون أفضل من الحج وإن كان أخف مؤونة منه.
الجهة الثانية: أن مورد الرواية هو الحج المستحب، والمستفاد منها أنه لو كان العتق أفضل من الحج التطوعي لأدى ذلك إلى انخفاض أعداد الحجاج ــ لقلة من يؤديه وجوباً ــ بحيث يعدّ ذلك ضرباً من تعطيل البيت، ولكن محل الكلام إنما هو في الحج الواجب، ولا دليل على أن تقديم الوفاء بالنذر على الحج الواجب المزاحم له سيؤدي إلى انخفاض أعداد الحجاج بحيث يترتب المحذور المذكور، بل من المؤكد أن من يتوسل بالنذر للتهرب عن وجوب الحج عليه لا يكون إلا قلة من الناس، ويبقى غيرهم بالإضافة إلى من يؤدون الحج تطوعاً ليشكلوا أعداداً كبيرة تمنع من صدق تعطيل البيت.
وبعبارة أخرى: ليس المحذور المذكور في الرواية هو لغوية تشريع الحج المستحب ليقاس به الحج الواجب، بل تعطيل البيت عن الحج، وهو يترتب ــ بمقتضى ما ورد في الرواية ــ على أفضلية العتق من الحج. وأما ترتبه على تقديم النذر على الحج الواجب فلا دليل عليه، بل هو ممنوع.