بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٦ - هل يستقر وجوب الحج على الجاهل بالاستطاعة والغافل عنها؟
شيء آخر من مرض أو شدة ابتلاء ونحوهما، بحيث عدت الغفلة عذراً عند العقلاء. وكذلك التفصيل في الجهل بين البسيط والمركب، فيمنعان عن الاستطاعة في الصورتين الأخيرتين دون الأولين).
ثم قال (قدس سره) في توضيح ذلك: (إن الغافل المعذور ــ غير المقصر في المقدمات ــ سواء تعلقت غفلته بأصل وجوب الحج أم بموضوعه لا يمكن توجيه الخطاب إليه بوجه، ومرفوع عنه القلم حتى واقعاً. ومن هنا ذكرنا في الأصول حول حديث الرفع أن الرفع بالإضافة إلى غير ما لا يعلمون من بقية الفقرات ومنها النسيان رفع واقعي لا ظاهري، لامتناع توجيه الخطاب إلى الغافل حتى في صقع الواقع. وعليه لا مناص من الإذعان بدخل الالتفات بهذا المعنى في فعلية الاستطاعة.
وهذا بخلاف من كان هو السبب في غفلته بتقصيره في المقدمات، فإن هذه الغفلة المنتهية إلى الاختيار لا تمنع من توجيه الخطاب، لما هو المقرر في محله من أن الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فلا يكون مانعاً إلا عن التنجز دون الفعلية. وهكذا الحال في الجهل فإن الجاهل المركب بما أنه لا يحتمل الخلاف ولا يعتقد إلا ما يرى، فلا يمكن توجيه الخطاب إليه على خلاف عقيدته. فمثله مرفوع عنه الحكم الواقعي بالضرورة كالغافل والناسي، فإن الحكم الواقعي وإن كان مشتركاً بين العالم والجاهل إلا أن المراد به الجاهل الذي يمكنه امتثال الواقع وتوجيه الخطاب إليه ولو بنحو إيجاب الاحتياط، وهو خصوص الجاهل البسيط دون المركب الذي لا يحتمل خلاف عقيدته حسب ما عرفت فمثله غير مستطيع. وهذا بخلاف الجاهل البسيط فإن الواقع ثابت وفعلي في حقه، وهو متمكن من امتثاله ولو بالاحتياط، ولم يرد في شيء من الأدلة إلا إناطة الحج بنفس الاستطاعة، لا بالعلم بها.
فمتى كان مستطيعاً كان وجوب الحج فعلياً في حقه بحسب الواقع وإن لم يعلم به، فالعلم هنا شرط في التنجز لا في الفعلية، ولأجله يستقر عليه الحج وإن كان معذوراً في تركه لمكان الجهل).