بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٧٢ - هل يستقر وجوب الحج على الجاهل بالاستطاعة والغافل عنها؟
وهذه الرؤية قد تُتبنى [١] على أساس أن غير المعذور يكون ملاك الحج بالنسبة إليه تاماً ومنجزاً عليه، ويكون فوته منه مستنداً إلى تقصيره فيه، فلذلك يستقر ملاك وجوب الحج عليه الذي هو حقيقة الوجوب وروحه. وهذا بخلاف من لم تكن غفلته أو جهله مستندة إلى تقصيره، فإنه لا مقتضي لاستقرار الحج عليه ملاكاً أيضاً، باعتبار أنه لا يكون مكلفاً به أصلاً.
ولكن هذا الكلام ضعيف جداً ..
أما أولاً: فلأنه إذا لم يعقل توجه الوجوب إلى الغافل والجاهل المركب ــ كما بنى عليه هذا القائل ــ فأنّى له باستكشاف تمامية الملاك بالنسبة إليهما مع ما صرّح به مراراً من أنه لا سبيل إلى استكشافه إلا من طريق ثبوت الحكم؟
وأما ثانياً: فلأن أقصى ما يمكن أن يدعى بشأن التسبيب إلى تفويت الملاك المولوي الإلزامي هو أنه على خلاف وظيفة العبودية فيكون قبيحاً عقلاً، وأما كونه موجباً لاستقرار الوجوب في الذمة ولزوم التدارك لاحقاً فهو خالٍ من أيِّ دليل ولا أساس له بوجه.
هذا والصحيح أن تتبنى الرؤية الخامسة المذكورة لأحد وجهين ..
الأول: أن المعتبر شرطاً لوجوب حجة الإسلام ــ كما اختاره السيد الشاهرودي (قدس سره) ــ هو الاستطاعة التي لو لم يتسبب المكلف إلى زوالها من غير عذر لبقيت ولم تتلف، فإذا كان الشخص واجداً للمال الوافي بنفقة الحج ولكنه جهل ذلك أو غفل عنه وتصرف فيه بما يخرجه عن حدِّ الاستطاعة، فإن كان معذوراً في جهله أو غفلته يسقط عنه وجوب الحج بزوال موضوعه، وأما إذا لم يكن معذوراً في جهله أو غفلته فإنه يبقى وجوب الحج بالنسبة إليه لعدم زوال موضوعه، إذ المفروض أن موضوعه ليس هو الاستطاعة حدوثاً وبقاءً بل الاستطاعة التي لو لم يتسبب المكلف إلى زوالها من غير عذر لبقيت، وهي هنا كانت كذلك، فإنه لما لم يكن معذوراً في جهله أو غفلته حسب الفرض يكون تسبيبه إلى زوال استطاعته بالتصرف في المال من دون عذر، ولا يوجب مثله
[١] تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:٨ ص:١٠٧.