بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٥٥ - متى تحصل الاستطاعة بالمال المنذور لأداء الحج به؟
والنذر ــ كما قال الفقهاء (رضوان الله عليهم) ــ على قسمين ..
أحدهما: نذر الفعل ــ ويسمى أيضاً بنذر السبب ــ كأن ينذر دفع مال لأداء الحج به، فمتعلق النذر ــ أي المنذور ــ فعل من قبيل التمليك أو الإباحة، وهذا يتصور على أنحاء ..
فإنه تارة يكون المنذور له شخصاً معيناً، وأخرى عنواناً كلياً يكون تطبيقه بيد الناذر، وثالثة عنواناً كلياً يكون انطباقه منوطاً بإرادة الطرف الآخر، كما لو نذر أن يدفع كلفة الحج إلى من طلب منه تأمين نفقة حجه من إخوانه. وفي القسمين الأولين تتحقق الاستطاعة البذلية لمن يقدم الناذر له المال، وأما في القسم الأخير فالأمر منوط بإرادة الشخص، وبإمكانه أن لا يجعل نفسه محلاً لوفاء الناذر بنذره، نظير ما مرَّ آنفاً في الوصية والوقف.
ثانيهما: نذر النتيجة، كأن ينذر أن يكون هذا المال ملكاً لزيد ليؤدي الحج به، فمتعلق النذر ــ أي المنذور ــ ليس فعلاً بل نتيجة الفعل، أي ليس تمليك المال لزيد هو الذي تعلق به نذره بل كون المال مملوكاً لزيد. والبحث فيه يقع من جهتين ..
(الجهة الأولى): في صحة هذا النوع من النذر، وهنا إشكالان رئيسان ..
الإشكال الأول: أن النذر من سنخ الالتزامات التي لها حنث ووفاء، فلا بد أن يكون متعلقه ــ أي المنذور ــ فعلاً اختيارياً للناذر، حتى يكون الإتيان به وفاءً للنذر وتركه حنثاً له. وأما نتيجة الفعل التي هي من قبيل الأمور الاعتبارية كالوقفية والملكية فلا تصلح لذلك، إذ لا يخلو الحال إما أن يقصد إنشاءها في ضمن الالتزام النذري بأن يقصد كون البستان وقفاً حين قوله: (لله عليَّ كون هذا البستان وقفاً على الفقراء)، وعلى هذا التقدير لا يبقى مجال للوفاء والحنث بالنذر، إذ المفروض تحقق الوقف بالنذر نفسه. وإما أن لا يقصد إنشاءها في ضمن الالتزام النذري، وعندئذٍ لا يكون النذر قابلاً للحنث والوفاء أيضاً، إلا أن يقصد الالتزام بإنشاء الوقفية لاحقاً ولكن مرجعه حينئذٍ إلى نذر الفعل وإن كانت صورته نذر النتيجة.