بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٠٧ - جواز رجوع المبذول له إلى الباذل بعوض ما يدفعه للمالك إذا كان جاهلاً بالغصبية
على عكس ما ذكر في الحالة الأولى، أي أن للاحق الرجوع إلى السابق بعوض ما دفعه من بدل المال التالف إلى المالك ولا عكس.
والوجه فيه بناء على ما تقدم من السيد الأستاذ (قدس سره) من الالتزام بالمعاوضة القهرية العقلائية على سبيل الكشف الحكمي بين البدل المدفوع والعين التالفة واضح.
فإنه إذا فرض أن من دفع البدل إلى المالك هو الشخص الثالث من الخمسة الذين تعاقبت أيديهم على المال قبل تلفه فإنه بقيامه بدفع البدل إليه يحكم ــ حسب مسلك الكشف ــ بكونه مالكاً للعين التالفة من حين صيرورتها تحت يده، أي قبل أن يسلط الرابع عليها مجاناً.
واذا كان الحال كذلك فإنه لا يحق له الرجوع بعوض البدل إلى أيٍّ من الرابع والخامس، لأن من يسلط غيره على مال نفسه مجاناً ليتصرف فيه تصرفاً متلفاً ــ إما مباشرة أو بالترخيص للغير في ذلك ــ لا يحق له الرجوع إليه بعوضه بعد التلف، سواء أكان عالماً حين تسليط الغير على ذلك المال بكونه مال نفسه أم كان جاهلاً بذلك.
مثلاً: لو قدَّم للغير طعاماً ليأكله وكان يعتقد أنه ملك لثالث ولكنه كان في الواقع ملكاً لنفسه فإنه ليس له أن يرجع ببدله إليه بعد أكله. وكذلك إذا دفع إليه الطعام ليصنع به ما يشاء فدفعه إلى فقير فأكله لم يحق له الرجوع إليه ببدله إذا تبين أنه كان مال نفسه وقد اعتقد غير ذلك.
ومحل البحث من هذا القبيل، فإنه لا فرق بينه وبين ما ذكر في المثالين إلا في كون مقدم الطعام أو دافعه مالكاً له حقيقة حين تسليط الغير عليه وكون الشخص الثالث في مورد البحث بحكم المالك لما دفعه إلى الشخص الرابع، إذ المفروض أنه بدفعه البدل إلى المالك يحكم من الآن بترتيب آثار كونه مالكاً للعين التالفة من حين صيرورتها في يده، ومن تلكم الآثار هو عدم استحقاقه المطالبة بعوضها إذا كان قد سلَّط الغير عليها مجاناً فتلفت في يده أو في يد من رخص له في التصرف فيها.