بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٠٨ - جواز رجوع المبذول له إلى الباذل بعوض ما يدفعه للمالك إذا كان جاهلاً بالغصبية
وبالجملة: مقتضى المعاوضة القهرية على سبيل الكشف الحكمي هو أنه لا يحق لدافع البدل الرجوع بعوضه إلى من بعده ممن جرت يده على العين التالفة.
كما أن مقتضاها جواز رجوعه إلى من قبله أي الشخصان الأول والثاني في المثال المتقدم، وذلك لأن من يسلط غيره على مال مجاناً ــ إما مباشرة أو مع الواسطة ــ فيتصرف فيه تصرفاً متلفاً ثم يتبين بعد ذلك أنه كان ملكاً لمن أتلفه أو لمن توسط في ذلك من دون علمه بواقع الحال يحكم عليه ــ أي على من سلط الغير على ذلك المال مجاناً ــ بكونه ضامناً لبدله.
مثلاً إذا قدّم طعاماً لضيفه فأكله ثم ظهر أنه كان ملكاً للضيف نفسه فإنه يضمن المضيف له بدله، لأنه تسبب في تلفه عليه، بلا فرق بين علم المضيف بذلك أم جهله به كأن اعتقد أن الطعام لنفسه ثم تبين أنه للضيف.
وهكذا إذا دفع الطعام لآخر يصنع به ما يشاء فدفعه هذا لفقير فأكله ثم تبين أنه كان ملكاً للذي تسلمه من الأول من دون أن يعلم بذلك، فإن الأول يضمن له بدله سواء أكان عالماً بالحال أم كان جاهلاً به.
والمقام من هذا القبيل، فإنه لا فرق بينه وبين ما ذكر في المثالين إلا في كون آكل الطعام أو دافعه إلى الفقير مالكاً له حقيقة حين دفع الغير إليه، وكون الشخص الثالث في مورد البحث بحكم المالك حين تسلم العين المضمونة من الثاني الذي تسلمه بدوره من الأول، إذ المفروض أنه لما دفع البدل إلى المالك حكم بترتيب آثار كونه مالكاً للعين التالفة من حين صيرورتها في يده، ومن تلكم الآثار هو استحقاقه المطالبة بعوضها ممن سلطه عليها مجاناً ــ مباشرة أو مع الواسطة ــ فتصرف الغير فيها بترخيص منه.
والحاصل: أنه بناءً على المعاوضة القهرية على سبيل الكشف الحكم لا النقل يكون للشخص الثالث في مورد الكلام أن يرجع بعوض ما دفعه إلى المالك إلى الشخصين الأولين دون الشخصين الأخيرين.
هذا على القول بأن ذمة الضامن تشتغل ببدل العين التالفة. وأما بناءً على القول بأنها تشتغل بالعين نفسها ويكون دفع البدل من قبيل الوفاء بغير الجنس ــ