بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٠٦ - جواز رجوع المبذول له إلى الباذل بعوض ما يدفعه للمالك إذا كان جاهلاً بالغصبية
الثالث في المثال المذكور ــ وفق بعض المسالك في كيفية ضمان المتلفات، فليتأمل.
هذا كله في حكم الحالة الأولى، وهي ما إذا لم يكن تسلط اللاحق على العين المضمونة بتسليط السابق إياه عليها على وجه المجانية.
وأما حكم الحالة الثانية [١] وهي ما إذا كان تسلطه عليها بتسليط السابق إياه على وجه المجانية ــ كما في مسألة البذل للحج المبحوث عنها ــ فيمكن أن يقال: إنه
[١] ألقى السيد الأستاذ (دامت تأييداته) هذا البحث في يوم الاثنين المصادف (٨ صفر ١٤٢٨ هـ) وقال في مقدمة البحث ما نصه: (يصادف اليوم الذكرى السنوية الخامسة عشرة لرحيل السيد الأستاذ (قدس سره) ، وأني أتمثله بعد هذه السنوات الطوال على هيئته وهو يرقى منبر التدريس، وكأن صوته يرنُّ في أذني، ولا يسعني إلا أن أتواضع لهيبته، وأتصاغر لمقامه السامي، وأخشع إجلالاً وإكباراً له.
وفي هذه المناسبة أود أن أشير ببضع كلمات إلى ميزتين من مزاياه الكثيرة، إحداهما تتعلق بالبعد العلمي لشخصيته الفذة والأخرى تتعلق بخلقه السامي ونفسه الطاهرة، أشير إلى هاتين الميزتين وفاءً لذكراه العطرة، وتذكرة لنفسي ولكم.
الميزة الأولى: حبه للعلم وانصرافه إلى طلبه، والاشتغال به منذ نعومة أظفاره إلى أواخر حياته المباركة ــ وقد ناهز عمره المائة ــ فلم يكن يصرف وقته فيما عدا العلم مهما أمكن.
حدثني سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته) أنه سمعه يوماً يقول: يمكنني أن ادعي أنني أكثر أهل العلم اشتغالاً إذا استثنيت بضعة أشخاص. قال هذا في وقت كان في العقد السابع من عمره، ولا يتوقع من مثله من الاشتغال ما يتوقع من الشباب كمعظم تلامذته آنذاك.
وحدثني أحد الفضلاء أنه رئي وهو مكبّ على تكميل كتابه المعجم في وقت عصيب اشتدت فيه أزمة الحوزة العلمية مع السلطة، وكان في ضيق بالغ فقيل له: أفي هذا الوقت تشتغلون في تأليف المعجم؟! فأجاب (طاب ثراه): لا يشغلني شأن عن هذا الشأن.
الميزة الثانية: عفة لسانه وترفعه عن التعرض للآخرين بالقدح والتجريح أياً كانوا، ولا سيما الزملاء والأقران، بالرغم مما كان يناله البعض منهم بلسانه وبنانه. فلم يعهد منه أن أساء إلى أحد بكلمة جارحة قط.
هذا بالإضافة إلى ما منحه الله تعالى من عبقرية وذكاء، وقدرة فائقة على الحفظ، وحسن بيان قلَّ مثيله.
وقد ساهمت هذه الخصال والمزايا في أن يصبح الأستاذ الأول في الحوزة العلمية، وينتفع بعلمه ويتخرج من تحت منبره الشريف أعداد كبيرة من العلماء والفضلاء قدّس الله روحه الطاهرة وجزاه عن العلم وأهله أفضل الجزاء، ورزقني مزيد الاستضاءة بأنوار علومه الشريفة).