بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٨ - هل يعتبر في حصول الاستطاعة بالإباحة المالكية أن تكون لازمة؟
الاستطاعة العرفية، وهي من العناوين الانتزاعية، ومنشأ انتزاعها هو وجدان المال الوافي بنفقة الحج إلى آخر الأعمال لم يمكن إثباتها بإجراء الأصل في منشأ انتزاعها، لأنه يعدُّ من الأصل المثبت، وهو غير حجة.
نعم يمكن أن يقال: إنه لا حاجة لإجراء الأصل في المقام ليناقش بما ذكر، لأن مرجع الشك في الرجوع وعدمه إلى الشك في القدرة على أداء الحج، وقد مرَّ في محله أن أصالة القدرة أصل عقلائي برأسه بلا فرق فيه بين الشك في القدرة العقلية أو العرفية، ولذلك لا يجوز ترك السعي لأداء التكليف عند الشك في القدرة عليه، ففي المقام لا يجوز ترك الذهاب إلى الحج لمجرد احتمال رجوع المالك عن إباحته وزوال الاستطاعة بذلك.
اللهم إلا أن يقال: إن الدليل على أصالة القدرة هو سيرة العقلاء، وهي دليل لبّي لا بد من الاقتصار فيه على القدر المتيقن، ومورد الشك في القدرة من جهة الشك في رجوع الغير عن إباحة ماله خارج عن القدر المتيقن، ويشهد له ذهاب المعظم إلى اعتبار الوثوق باستمرار الإباحة إذا لم تكن لازمة، فليتأمل.
يبقى هنا الإشارة إلى أمر، وهو أنه تقدم عند الكلام حول تحقق الاستطاعة بالملكية المتزلزلة أن العلم بوقوع الفسخ بعد التصرف في المال في سبيل أداء الحج يساوق العلم باشتغال الذمة ببدل المال مثلاً أو قيمة عند حصول الفسخ، وفي كون ذلك مانعاً عن تحقق الاستطاعة خلاف حسب اختلاف المباني في أن الدين يمنع من الاستطاعة أو لا.
وهذا البحث لا يجري في الإباحة غير اللازمة ــ وإن كانت تشبه الملكية المتزلزلة في تحقق الاستطاعة بها ــ لوضوح أنه لا أثر للرجوع عن الإباحة بعد التصرف في المال المباح، وعدم كونه مستتبعاً لاشتغال ذمة المباح له ببدل ما تصرف فيه قبل ذلك.
وبذلك يظهر النظر في ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) ــ كما سبق النقل عنه ــ من تحقق الاستطاعة بالإباحة غير اللازمة إلا أن يقع المباح له من ناحية وقوع المالك في العسر والحرج الرافعين للتكليف، أو يبتلي بمزاحم أهم وهو أداء