بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٦٨ - إذا رجع الباذل عن بذله فهل ينفذ وضعاً؟
وبتقريب أخر: إن المستفاد عرفاً من الأمر بدفن الميت هو أن مطلوب الشارع المقدس ليس إلا مستورية بدن الميت المسلم تحت التراب، وإنما أوجب الدفن على المكلفين كفاية لأنه الطريق العادي لتحقيق هذا المطلوب، وإلا فلا موضوعية لفعل المكلف.
ومن هنا قالوا إنه لو دفن الميت على النهج المعتبر شرعاً ولو بفعل هزة أرضية أو انهيار جبل ونحو ذلك لم يجب على المكلفين انتشاله ثم دفنه.
وبالجملة: إن المطلوب شرعاً هو مستورية بدن الميت تحت التراب بنحو معين، فلا يجوز القيام بما ينافي هذا المطلوب الشرعي وهو النبش، وهذا هو الوجه في الحكم بحرمته.
ولكن هذا الجواب بكلا تقريبيه لا يخلو عن إشكال. أما التقريب الأول فلأنه لا يثبت حرمة النبش، لأن وجوب الدفن ليس فورياً، فغاية ما يترتب على الالتزام بما ذكر من أن متعلق الأمر بالدفن ليس هو طبيعي المواراة بل المواراة المستمرة إلى حين تلاشي الجسد هو أن الدفن الملحوق بالنبش لا يقع امتثالاً للتكليف بالدفن، فيجب امتثاله لاحقاً.
نعم حيث لا يجوز التأخير في الدفن إلى حين تغير بدن الميت وظهور رائحته يمكن الاستناد إلى هذا التقريب في عدم جواز النبش بعد مضي مدة يتغير فيها البدن عادة، فإنه لما لم يجز تأخير الدفن إلى هذا الزمان لم يجز نبش القبر عندئذٍ لأنه يستلزم الإخلال بالامتثال. وأما قبل ذلك فلا يمكن الاستناد إلى التقريب المذكور في حرمة النبش كما هو واضح.
وأما التقريب الثاني فهو أيضاً لا يفي بالمقصود، لأن المتفاهم العرفي من الأمر بالدفن وإن كان كما ذكر هو مطلوبية كون الميت المسلم مستوراً تحت التراب، إلا أن الكلام في حدود المستورية المطلوبة، أي هل المطلوب هو المستورية المستمرة بحيث لا يتخللها الكشف قبل تغير بدن الميت ولو بمقدار ساعة مثلاً، أو هو الأعم منها ومما يتخللها الكشف كذلك؟ والتقريب المذكور لا يتضمن ما يثبت الوجه الأول الذي مقتضاه هو حرمة النبش.