بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٦٩ - إذا رجع الباذل عن بذله فهل ينفذ وضعاً؟
والحاصل: أنه لا يمكن الاعتماد على أي من التقريبين المذكورين في إثبات حرمة نبش قبر الميت المسلم.
ولكن يمكن أن يقال: إن الدفن المأمور به شرعاً يحتمل بدواً عدة وجوه ..
الأول: أن يراد به مجرد إحداث المواراة تحت التراب، وهو بهذا المعنى لا يقتضي حرمة النبش.
وهذا الوجه ــ كما تقدم ــ خلاف المتفاهم العرفي، بل هو واضح البطلان.
الثاني : أن يراد به حصة خاصة من الدفن، وهي المواراة المستمرة إلى أن يتلاشى البدن.
وهذا الوجه لا يخلو من بُعد، إذ لازمه عدم تحقق الامتثال بالدفن المتعقب بالنبش ولو بعد مدة طويلة. وهو على خلاف المرتكز العرفي.
أي أنه إذا تم دفن الميت ولكن نبش قبره بعد عشرين سنة مثلاً قبل أن يتلاشى بدنه فإن مقتضى الوجه المذكور هو عدم تحقق الدفن المأمور به من الأول. وهذا مخالف للمرتكزات، بل المطابق لها هو امتثال الأمر بالدفن آنذاك ولكن حيث ظهر البدن مرة أخرى يلزم دفنه ثانية.
وبالجملة: إن هذا الوجه غير تام، ولكن على فرض تماميته فهو لا يقتضي حرمة النبش كما مرّ.
الثالث: أن يراد به مستورية بدن الميت تحت التراب بالمعنى اسم المصدري أي نتيجة الفعل، فهو بهذا المعنى موضوع على عاتق المكلفين كفاية، لا بالمعنى المصدري ــ أي الفعل نفسه ــ المتحقق بمجرد المواراة.
وعلى هذا الوجه يمكن أن يتمسك لعدم جواز النبش بالإطلاق الأزماني للأمر بالدفن فإنه يعقل له الإطلاق كذلك، بخلاف الأمر بالدفن بالمعنى المصدري، أي أنه إذا كان المقصود بقوله: (يجب دفن الميت) هو (أنه يجب أن يكون الميت مستوراً تحت التراب)، فإن لهذا الكلام إطلاقاً أزمانياً مقتضاه عدم جواز الكشف عن الميت إلى زمان تلاشي بدنه واضمحلاله، بحيث لا يصدق وجود ما يعدّ ميتاً عرفاً.