بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩١ - الاعتراض الثاني
فعل الغير، و صدور الفعل من الغير باختياره، و ليس كل شوق إلى فعل الغير باختياره يسمّى إرادة تشريعية، كما أنه ليس كل شوق من الإنسان إلى فعل نفسه يسمّى إرادة. و كما أن الشوق المتعلّق بنفس فعل الإنسان، لا يسمّى إرادة تكوينية، إلّا إذا وصل إلى درجة تكون كافية لتحريك عضلات الإنسان، فكذلك الإرادة التشريعية، أو الشوق التشريعي المتعلّق بفعل الغير، لا يسمّى إرادة، و لا يبلغ درجة الإرادة التشريعية، إلّا إذا وصل إلى مرتبة بحيث يحرك عضلات المولى المشتاق.
و هنا عند ما كان المولى يشتاق إلى صدور الفعل من الغير باختياره، كان لا بدّ من معرفة موقف عضلات المولى من هذه الناحية، و الشيء الوحيد المعقول من المولى هو: أن تتحرك عضلاته نحو التحريك إلى المشتاق إليه، إذن فالشوق نحو صدور الفعل من الغير باختياره، هو شوق لا يكون إرادة إلّا إذا ترشّح من شوق تكويني متعلق بتحرك عضلات نفس المولى نحو أن يبعث إلى المشتاق إليه المكلّف، فمتى ما بلغ شوق المولى إلى صدور الصلاة من المكلّف إلى درجة بحيث يترشح منه شوق تكويني إلى أن يطلب الصلاة من المكلّف، حينئذ يطلق على الشوق نحو الصلاة بأنه إرادة تكوينية. و أمّا إذا كان شوقه إلى الصلاة موجودا، لكن لم يكن بدرجة بحيث يترشح منه شوق تكويني محركا لعضلات المولى، نحو أن يبعث العبد، و يحركه نحو المقصود، فلا يكون هذا الشوق إرادة تشريعية.
و هذا معناه، أن قوام صيرورة الشيء إرادة تشريعية، و هو بأن يترشح منه شوق تكويني، نحو تحريك عضلات المولى إلى أن يحرك و يبعث العبد، فإيجاد الباعث في نفس المكلف نحو الفعل من قبل المولى، شرط أساسي في تحقق الإرادة التشريعية من قبل المولى.
و من الواضح، أن المقصود من إيجاد الباعث من المولى للمكلّف نحو الفعل، ليس هو الباعث الفعلي، لوضوح «المضايفة» بين الباعثية و الانبعاث، فلو فرض أن الباعث كان فعليا، للزم منه كون الانبعاث فعليا أيضا، فلو كان