بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٣٨ - ١- التنبيه الأول
و حينئذ هذا الضابط، نطبّقه في المقام، حيث أننا عرفنا أن الشوق المتعلق بالجامع بين أن لا يعطش. أو يعطش و يشرب الماء، عرفنا أن هذا هو شوق غيري، و ليس شوقا نفسيا بل هو شوق ناشئ من مطلوبيّة الارتواء الذاتي، و الارتواء الذاتي كان يتوقف على أحد أمرين: أمّا أن لا يعطش، و إمّا إن يعطش و لكن يشرب الماء، و لكنه عطش قهرا و تعذّر الجامع، فانحصر الارتواء بأن يشرب الماء، و بهذا الانحصار صار شرب الماء هو الفرد المقدمة، فيتحوّل هذا الشوق من الجامع إلى هذا الفرد، لأن الشوق الغيري ملاكه المقدّميّة، و بهذا نعرف كيف أن كلا فردي الجامع تعلّق بهما شوق واحد، و كيف أن هذا الشوق الواحد يتحول من التخييرية إلى التعيينية.
و حينئذ يمكن القول: إنّه إذا فرض أن هذا الإنسان لم يعطش، و لكنه يعلم بأنه سوف يحدث له العطش لا محالة، و لا دافع لهذا العطش آنذاك، فمقتضى ما ذكرناه من تعلّق الشوق الغيري بالجامع هو أن يتحول هذا الشوق من الآن، و قبل أن يحدث العطش، يتحول من الجامع إلى الفرد، لأنه بعد علمه بأنّ العطش سيحدث، حينئذ يعلم بأن الارتواء يتوقف على أن يشرب الماء من حين حدوث العطش، و أمّا تحصيل الارتواء عن طريق الفرد الآخر للجامع و هو أن لا يعطش، فهو أمر غير ممكن، و إنما الممكن، هو تحصيل الارتواء بأن يشرب الماء.
إذن فهذا الانقلاب من الشوق التخييري إلى الشوق التعييني الذي فسّرناه بعد وقوع العطش، يمكن فهمه و تفسيره قبل وقوع العطش، بناء على كون هذا الشوق شوقا غيريا، فإن ملاك انقلاب الشوق من التخييرية إلى التعيينية هو انحصار المقدّميّة به، و انحصار المقدميّة به كما يكون بعد العطش، يكون كذلك قبل العطش مع العلم بأنه سوف يقع العطش، إذن فالشوق الغيري التعييني نحو شرب الماء موجود من أول الأمر.
و بهذا ننهي الكلام في تحقيق حلّ شبهة المقدمات المفوتة على الصعيدين التكويني و التشريعي.