بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٠ - الجهة الثانية و هي في تأسيس الأصل اللفظي و العملي
الوجوب الضمني للتقيّد، لأن هذا المكلّف الذي ترك الوضوء و أتى بالصلاة، و من بعدها أتى بالوضوء، حينئذ مثل هذا المكلّف يكون قد أمّن عن إيقاع الوضوء قبل الصلاة ببركة أصالة البراءة عن التقيّد.
و هنا مكلّف آخر و هو الذي يترك العملين معا، الوضوء و الصلاة، مثل هذا المكلّف، إذا أجرى أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، فإنه يظهر لهذا أثر بالنسبة إليه، و هو التأمين عن العقاب الثاني.
و بهذا يتّضح أن مؤمّنيّة كل من الأصلين و الاستناد إليهما معا في حال، غير حال الاستناد إلى الأصل الآخر، و أنه لا يمكن الاستناد إلى الأصلين معا في عرض واحد، فالمكلّف الذي يستفيد من هذا الأصل، غير المكلف الذي يستفيد من ذاك الأصل، لأن المكلف الذي يستفيد من أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، هو من ترك الوضوء و الصلاة معا، و هذا سوف لن يستفيد من الأصل الآخر، و هو أصالة البراءة عن التقيّد، فهو ترك الصلاة رأسا، فلا يؤمّنه أصالة البراءة عن التقيّد بالوضوء، و إنما يستفيد من أصالة البراءة عن التقيّد، من أتى بالصلاة، ثم أتى بالوضوء بعدها، و لا يعقل أن يوجد شخص واحد يستفيد من كلا الأصلين إلّا مع فرض تعدّد الواقعة، فإنها فيها لا بأس بجريان الأصلين معا، فتجري أصالة البراءة عن التقيّد ليستفيد منها من يصلّي ثم يتوضأ بعد ذلك، و تجري البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، ليستفيد منها ذلك الشقي الذي يترك الوضوء و الصلاة معا، من أجل نفي العقاب الثاني بالنسبة إليه.
إذن فمحل استفادة كل من الأصلين، غير محل الاستفادة من الأصل الآخر. و هذا يصير من قبيل الأصول في الشبهة غير المحصورة، حيث أن شخصا واحدا لا يمكن أن يستفيد من أصالة الطهارة في هذه الآنية، و هذه الآنية، و هكذا، بل يستفيد من بعضها، و هنا كذلك، فإن المكلّف لا يمكن أن يستفيد من كلا الأصلين، لأنه إن ترك كلا الفعلين، إذن فسوف تنحصر فائدته العملية في إجراء أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لنفي العقاب