بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢١٢ - الجهة الرابعة و هي في الكلام عن خصوصية أخرى للأمر الغيري
الغيري أمر توصلي، لأنه لا يحتاج في مقام الخروج عن عهدته إلى أكثر من الإتيان بمتعلقه، لأن الغرض منه إنما هو التمكين من ذي المقدمة، و التمكين يحصل بالإتيان بذات المقدمة التي هي متعلق الأمر الغيري، إذن فهو لا يتوقف على شيء آخر فيكون توصليا.
و من هنا يستطرق إلى إشكال يرد على الطهارات الثلاث، بدعوى أن الطهارات الثلاث، رغم أنها لا إشكال في مقدّميّتها، و كونها واجبات غيرية، إلّا أنها لا تنطبق عليها خصائص الواجب الغيري من القربية، و ترتب الثواب عليها، و قد قرّب هذا الإشكال بعده تقريبات:
التقريب الأول: هو أنه لا إشكال بأن الخروج عن عهدة الأمر الغيري المتعلق بالطهارات، لا يكون إلا بالإتيان بها على وجه التعبّد و التقرب، فلو لم يأت بها كذلك، فهو لم يأت بما هو المطلوب، و لم يخرج عن عهدة المقدميّة و حينئذ يقال: بأن التعبد و التقرب غير مقدور للمكلّف، و ذلك لأنه لا يمكن التقرب بالمقدمة، بقصد الأمر الغيري المتعلق بها، لأن الأمر الغيري غير مقرّب، و غير مبعّد، و غير موجب لاستحقاق الثواب و العقاب، إذن فكيف يأتي المكلف بالطهارات على وجه قربي تعبدي، مع أن التعبّد و التقرب يتوقفان على أمر بالفعل يكون صالحا للمقربيّة نحو المولى، و الأمر المتعلّق بالطهارات لا يصلح للتقرب به إلى المولى، إذن فكيف تكون الطهارات قربية؟.
و الجواب عليه هو: إنّ التقرب بالطهارات الثلاث، من ناحية الأمر الغيري المتعلق بها، و إن كان غير ممكن، و لكن التقرب به من ناحية نفس الأمر النفسي المتعلق بذي المقدمة ممكن، و هو المسمّى بقصد التوصل، باعتبار أن الأمر المتعلق بذي المقدمة، يحرّك نحو سدّ تمام أبواب العدم لذي المقدمة، و من جملة أبواب العدم عدم الصلاة بسبب عدم الطهارات. إذن فالأمر بذي المقدمة له محركيّة نحو الطهارات، و هنا يمكن للمكلف الإتيان بالطهارات بلحاظ محركيّة الأمر النفسي المعلق بذي المقدمة، و بذلك يكون