بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٢٧ - * ٣- الجهة الثالثة مما يبحث في الترتّب هي في استدلال القائلين بإمكان الترتب
لأنها توهم عدم التعارض و التنافر بين الخطابين، و العلاقة الثانية هي: نكتة ملاك شبهة القائلين بامتناع الترتب، لأنهم يقولون بفعليّة الأمرين معا، و كل منهما يجر نحو متعلقه، و الجر إلى متعلقه هو في الوقت نفسه جر عن ضده لا محالة إذ الأمر بالإزالة هو جر نحو الإزالة، و بمقدار ما يكون جرا نحو الإزالة، يكون جرا عن الصلاة، و كذلك الأمر بالصلاة يقوم بنفس الفعل فيتنافى الأمران.
إذا توضّح هذا فنقول: إنّ العلاقة الموجودة بين الخطابين الترتبيين في جميع هذه الفروع الثلاثة، إنّما هي العلاقة الأولى، لأن خطاب «سافر» يستدعي رفع موضوع الخطاب «بالصلاة تاما»، لكن هذه العلاقة كانت منشأ لشبهة القائلين بإمكان الترتب، حيث يكون الأمر بالصلاة تاما مرتبا على عدم السفر، فيكون الأمر بالسفر حينئذ مستدعيا بامتثاله رفع الأمر بالصلاة تاما، بينما منشأ شبهة القائلين بالامتناع هي العلاقة الثانية، و هذه العلاقة في المقام غير موجودة، لأنها إنّما تصدق فيما إذا كان هناك تضاد بين متعلق الأمر بالأهم، و متعلق الأمر بالمهمّ، «كالصلاة و الإزالة» فهما فعلان متضادان.
و أمّا في المقام فلا تضاد بين ما يحرّك نحوه خطاب «سافر»، و بين ما يحرك نحوه خطاب «إذا لم تسافر فصلّ رباعيّة»، إذ إنّ «سافر» يحرك نحو السفر، و خطاب «إذا لم تسافر فصلّ تاما» هنا عدم السفر قيّد الوجوب، و الأمر لا يحرك نحو مقدمات الوجوب، بل نحو صلاة رباعيّة، و على هذا فيمكن اجتماعهما مع السفر، غاية الأمر أنه لا أمر حينئذ بالصلاة الرباعية، إذن فهي ليست تحت الطلب كي يكون الأمر بها مضادا مع الأمر بالسفر، و مقتضيا لتحرك المكلّف باتجاه معاكس، لما يقتضيه الأمر بالسفر، كما كان في موارد الترتب.
و ما كان سوق هذه النقوض إلّا نتيجة لملاحظة العلاقة الأولى التي يترتب فيها أحد الأمرين على ترك الآخر و عصيانه، و قد عرفت أن العلاقة الأولى هي منشأ القول بإمكان الترتب، لا الامتناع.