بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٨٣ - الفصل الثالث ثمرة بحث الضد
إنما كان منشأ توهمه هو: أنّ القدرة على الجامع إنما تكون بالقدرة على أفراده، إذن فالقدرة على الجامع تحدث بعد تعلّقها بالأفراد، و المفروض أن أفراد الجامع طوليّة، فيلزم من كونها هكذا، الشرط المتأخر، لأنّ تعلّق القدرة بالجامع مشروط بتعلّقها بأفراد الجامع، و الحال إنّها طولية، و بعده فهذا شرط متأخر.
و حينئذ يجاب عن هذا، بأن نقول: إنّ القدرة ليست شرطا في عنوان الخطاب، و إنّما هي شرط من باب قبح تكليف العاجز الذي يتعقبه العجز، و أمّا الذي لا يتعقّبه العجز، لا يحكم بقبح تكليفه، فهنا مقتضى إطلاق دليل «صلّ» هو أنّ أصل وجوب الصلاة ثابت حتى للعاجز، ثم أخرجنا منه العاجز بمخصّص لبّي، و هذا العاجز أيضا خرجنا عنه بالعجز الذي يكون متعقبا لعجز مثله، إذن فيبقى تحت إطلاق دليل «صلّ» ما عدا العجز المتعقب بمثله، فالعاجز غير المتعقب بمثله يبقى تحت الإطلاق. و حينئذ يكون وجوب الصلاة مشروطا بحصة خاصة، و هي العجز المتعقب بمثله، و عدمه أمر مقارن لا محالة.
و إن شئت قلت: إنّ مقتضى إطلاق دليل «صلّ» هو ثبوت التكليف بالصلاة حتى للعاجز المستوعب عجزه لتمام الوقت، أو لزمان الواجب المضيّق المزاحم، «كالإزالة»، أو «إنقاذ الغريق»، و قد أخرجنا من تحت هذا الإطلاق من كان عجزه مستوعبا تمام الوقت، فيبقى من ليس كذلك مشمولا لإطلاق خطاب «صلّ» بما فيه من ليست قدرته ثابتة في زمان المزاحمة، لأنّ إطلاق الخطاب لا بدّ من التحفظ عليه، و في المقام يمكن التحفظ على الإطلاق، و ذلك بأخذ الشرط، و هو العجز المتعقب بمثله، و «التعقّب» بالقدرة، مقارن مع فعليّة الحكم.
فمقتضى صناعة الدليل هو: الالتزام بوجوب الصلاة على الإطلاق، غاية الأمر إنّا خرجنا عن الإطلاق بدليل لبّي، و القدر المتيقن للخروج منه، هو العاجز المتعقّب بعجز مثله، و حينئذ يكون تعلّق الأمر بالجامع ليس مشروطا