بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٦ - الجهة الثانية و هي في تأسيس الأصل اللفظي و العملي
حينئذ للمكلف أن يخالف هذا دون ذاك، و ذلك بأن يترك الوضوء قبل الزوال، و يتوضأ بعد الزوال و يزور، إذن فهذا أمر خالف الوجوب النفسي للوضوء، و لم يخالف الوجوب النفسي للزيارة.
و يمكن للمكلف أن يعكس المطلب، و ذلك بأن يتوضأ قبل الزوال، و لا يزور بعد الزوال، فيكون قد خالف الوجوب النفسي للزيارة، و لم يخالف الوجوب النفسي للوضوء، لأنه لا تلازم بين المخالفتين.
و في مثل ذلك تجري أصالة البراءة و تتعارض في الطرفين، لأن أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء قبل الزوال، تعارض أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للزيارة المقيّدة بالوضوء بعد الزوال.
و هذا الكلام لا يفرّق فيه بين الصورة الثانية و الرابعة، أي: إنّه لا يفرّق بين أن تكون الزيارة معلومة الوجوب في نفسها، أو أن لا تكون معلومة الوجوب في نفسها، فإن لم تكن معلومة الوجوب في نفسها، حينئذ سوف يتشكل علم إجمالي بوجوب نفسي للوضوء قبل الزوال، أو بوجوب نفسي للزيارة المقيّدة بالوضوء بعد الزوال، و هنا ينجّز العلم الإجمالي، لأنّ كلا من الطرفين، مخالفته لا تستلزم مخالفة الطرف الآخر.
و كذلك الحال لو كانت الزيارة معلومة الوجوب في نفسها، و إنما الشكّ في تقيّدها بالوضوء بعد الزوال، فإنه أيضا، المكلّف يعلم إجمالا بوجوب نفسي متعلّق بالوضوء قبل الزوال، أو بوجوب نفسي ضمني متعلّق بتقيّد الزيارة بالوضوء بعد الزوال، و كل من هذين الوجوبين لا يلزم من مخالفة أحدهما مخالفة الآخر، فلو لم يتوضأ قبل الزوال، و توضأ بعد الزوال، فقد امتثل الوجوب الضمني، و عصى الوجوب النفسي، و لو أنه عكس المطلب، انعكس عليه المطلب.
فتتعارض إذن أصالة البراءة عن الوجوب النفسي مع أصالة البراءة عن الوجوب الضمني.