بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٦٨ - ٣- التنبيه الثالث
التقريب الأول: و هو محتمل (أجود التقريرات) [١]، و ظاهر تقريرات أخرى [٢] للمحقق النائيني (قده).
و حاصله، أنه يعلم إجمالا بكذب أحد الإطلاقين في المقام. إمّا كذب إطلاق الهيئة، و إمّا كذب إطلاق المادة، فيكون المقام من قبيل ما إذا علم إجمالا بكذب أحد الخبرين، فكما أنه هناك لا يعمل قانون الأقوائية، فكذلك هنا.
و توضيحه، هو إنّه إذا وردت رواية تقول: «أكرم النحوي»، و وردت رواية أخرى، تقول: «لا تكرم فساق النحويين»، فهنا عام و خاص، و هنا إن فرضنا أننا لم نعلم إجمالا بكذب أحد الراويين في نقله، فنتعبّد بكل من الكلامين، و نحمل العام على الخاص، فنخصّص «أكرم النحوي»، بلا «تكرم فساق النحويين»، و هذا هو الجمع العرفي. و أمّا إذا علمنا إجمالا أن أحد هذين الراويين قد كذب في نقله، يعني، إمّا زيد لم يسمع من الإمام قوله: «أكرم النحوي»- و إمّا عمرو، لم يسمع من الإمام قوله: «لا تكرم فسّاق النحويين»، في مثل ذلك، لا نبني أن الكاذب هو ناقل العام، لوضوح أن العلم الإجمالي بالكذب، نسبته إليهما على حد سواء، و كون أحدهما ناقلا للأضعف ظهورا، لا يثبت كونه كاذبا، بل قد يكون الأمر بالعكس. إذن فيتعامل مع هاتين الروايتين معاملة المتعارضين، و لا يقدّم أقواهما على أضعفهما.
إذن يقاس محل الكلام بذلك فيقال: إن إطلاق المادة و إطلاق الهيئة كهاتين الروايتين، و قد علم إجمالا بكذب أحدهما، و العلم الإجمالي بالكذب نسبته إليهما على حد سواء، و مجرد كون الظهور أقوى في الهيئة، و كون ظهور الإطلاق ضعيفا في المادة، لا يعيّن أن يكون أحدهما أولى بالكذب من الآخر.
و الجواب هو: أنّ هذا التقريب مبني على الخلط بين مرحلتين: بين
[١] أجود التقريرات: الخوئي ج ١ ص ١٦٣- ١٦٤.
[٢] فوائد الأصول: الكاظمي ج ١ ص ١١٩- ١٢٠.