بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٦٣ - ٣- التنبيه الثالث
في التقريب الثالث، حينئذ يحصل التعارض في المقام بين إطلاق المادة و إطلاق الهيئة، و ذلك لأن الظهور الإطلاقي منعقد و تام في كلا الطرفين، لأن الظهور الإطلاقي يتوقف على عدم الإتيان بالقيد، و من الواضح أنّ الجملة الدالة على التقييد، لا تصلح قيدا للهيئة بالخصوص و لا للمادة بالخصوص.
إذن فالإطلاق في كل من الهيئة و المادة تام.
و لهذا لو فرض- بالصدفة- سقوط أحد الإطلاقين، حينئذ، لا مانع من جريان الإطلاق الآخر، و بجريانه نثبت أن عدم إجزاء الصدقة قبل القيام، إنما نشأ من تقييد الطرف الآخر، لعدم صلاحية خطاب المولى تقييد أحد الإطلاقين، و لا ينفع في التقييد كون القيد في خطاب المولى يلزم منه تقييد أحد الإطلاقين، و ذلك لأن هذا اللزوم أعم من كون القيد قيدا، لخصوص إطلاق الهيئة، أو المادة.
و عليه، فمقتضى أصالة التطابق بين مقام الإثبات، و مقام الثبوت الذي هو معنى أصالة الإطلاق في طرف الهيئة، مقتضى هذا هو أنّ القيد لم يؤخذ في الهيئة، كما أن مقتضى أصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت في جانب المادة الذي هو معنى أصالة الإطلاق في المادة، مقتضى هذا هو أن القيد لم يؤخذ في المادة، ذلك لعدم كون القيد المزبور صالحا لتقييد المادة و كذلك الهيئة.
إذن فأصالة الإطلاق تامة في نفسها في جهة المادة و الهيئة، و حينئذ تقع المعارضة بينهما، فإن فرض كون أحدهما أقوى دلالة من الآخر- كما لو قلنا بأن الإطلاق الشمولي أقوى من الإطلاق البدلي- حينئذ قدّم أقواهما دلالة على أضعفهما دلالة، و إن لم يكن أحدهما أقوى، حينئذ يستحكم التعارض بينهما و يتساقطان.
هذا إذا لم نقبل بالتقريب الثالث و لم نقبل بأن تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادة، و أمّا إذا قبلنا بأن تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادة، فحينئذ يكون البيان المتصل في كلام المولى قرينة على تقييد المادة على كل حال، لأنه يدل على