بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤١٩ - * ٢- الجهة الثانية فى اقسام الحكمين الشرعيين
تصل في الحمّام» على خطاب «صلّ في الحمّام» فليس معنى ذلك أنه لم يعلم بحرمتها، إذن فلم تصل إليه فيشمله خطاب «صلّ»، بل لأننا نقول: بأن خطاب «صلّ» مرتفع في تمام الصلاة الحمّاميّة، سواء أ كانت منجزة الحرمة أو لا، و هكذا الحال في تمام موارد التعارض، و لا يكفي في فعليّة أحدهما في مادة الاجتماع عدم وصول أحدهما.
و هذا معناه، أن التعارض بين الخطابين المتعارضين بوجودهما الواقعي، هو تعارض مستقر.
إذن فلما ذا شذّ محل الكلام عن ذلك؟ رغم أننا قلنا في الجهة الأولى و بناء على امتناع الترتب: بأن خطاب «صلّ و أزل» متعارضان فيما إذا كانت هناك نجاسة واقعا، و لو لم يعلم بوجودها، و حينئذ نسأل: أنه لما ذا انحل هنا بتقييد أحد الخطابين بوصول الآخر، بينما لم ينحل هناك في تمام موارد ثبوت الآخر، وصل أو لم يصل، فما الفرق إذن بين المقامين؟
و جوابه هو: إنّ التعارض في موارد أخرى غير التزاحم، كما في خطاب «صلّ»، «و لا تغصب» أو «صلّ و لا تصلّ في الحمام» إنّما كان تعارضا بحسب عالم المبادئ الحكم، لأنّ مصب كلا الحكمين، أي: «صل و لا تغصب» كان واحدا بناء على امتناع اجتماع الأمر و النهي.
و بناء على وحدة المصب هذه، يكون التعارض بين الحكمين تعارضا بلحاظ عالم المبادئ، أي: عالم الإرادة و الكراهة، و المصلحة و المفسدة، بمعنى أن الفعل الواحد لا يمكن أن يكون فيه مصلحة فعليّة، و مفسدة فعليّة.
و من الواضح أن التعارض بين الخطابين في عالم المبادئ، تابع لواقع المطلب، لا لعلم المكلّف و جهله.
فكونه يعلم أو يجهل، لا دخل له في استحكام التعارض، إذ إنّ حرمة الغصب، أينما فرضت، فإنّ فرضها هو فرض وجود مبغوضية و مفسدة فعليّة،