بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٨ - ٣- النظرية الثالثة
و طلوع الفجر، و إمّا لكون هذه القيود، و إن كانت اختيارية في نفسها، و لكن قيّدت بكونها اتفاقية، حينئذ لا يعقل التكليف بالحصة الاتفاقية من قبل المولى، و حينئذ أيضا، البرهان قائم على أنه لا يمكن سحب هذا القيد من دائرة الوجوب، و أخذه في الواجب محضا، و ذلك لعدم المقتضي، و لوجود المانع معا.
أمّا عدم المقتضي فلنفس البيان السابق، إذ إنّ هذه القيود لو سحبت من دائرة الوجوب، و أخذت في الواجب محضا، يلزم محركية الوجوب نحوها بناء على الأصل الموضوعي السابق، و التحريك نحوها بلا مقتض، لأن المولى لا يهمه أن يحدث ملاك، و إنما الذي يهمه أنه لو حدث الملاك، فيجب أن يستوفى. و أمّا المانع، فلأن هذه القيود قيود غير اختيارية، و التكليف بغير الاختياري غير معقول، فلو فرض أن هذا القيد أخذ في الواجب محضا دون الوجوب، إذن يلزم فعلية الوجوب قبل وجوده، و فعلية الوجوب مساوقة مع محركيته، إذن فيكون محركا نحو متعلقه، و متعلقه المقيّد، و التحريك نحو المقيّد بما هو مقيّد، تحريك نحو القيد أيضا، مع أن القيد غير اختياري في المقام. إذن فالمانع موجود.
و عليه فقيود الاتصاف أجمع، لا يمكن سحبها من دائرة الوجوب، و أخذها في دائرة الواجب، أمّا ما كان منها اختياريا فلعدم المقتضي، و أمّا ما كان منها غير اختياري فلعدم المقتضي و لوجود المانع أيضا. و بهذا يتعين أن قيود الاتصاف سواء أ كانت اختيارية، أو غير اختيارية، يتعين أخذها قيودا في الوجوب، و لكن بعد أخذها هكذا، لا مانع من أخذها قيدا في الواجب، فيقول: من استطاع يجب عليه الحج المقرون مع الاستطاعة، بحيث لو أخّر الحج إلى أن زالت عنه الاستطاعة، و حجّ متسكعا بعد ذلك، لم يقبل منه، فيكون القيد للوجوب و للواجب و هذا أمر معقول لو فرض أن وقوع الفعل مقارن مع هذا القيد دخيل في ترتب المصلحة خارجا، بحيث أن المصلحة المطلوبة من الحج لا تقع إلّا إذا وقع الحج قبل زوال الاستطاعة، فحينئذ لا