بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٣١ - ١- التنبيه الأول
أنيطت هذه الإرادة بلحاظه، إذن فإرادة شرب الماء موجودة الآن قبل العطش، لكنها منوطة بلحاظ العطش، و فاعليتها أيضا تامة لأنّ فعليتها تامة، ففاعليتها من سائر الجهات تامة، إلّا من ناحية العطش فإنها لا تحرّك نحو أن يعطّش الإنسان نفسه، لأن هذا القصور من النتائج التكوينية لإناطة الإرادة بالعطش، فكلّما أنيطت هذه الإرادة بلحاظ شيء لم تصبح الإرادة محركة نحو وجود ذلك الشيء الملحوظ، و لو كانت فعليّة.
و هذا المسلك، لو صحّ، فهو أيضا يعالج النكتة، و يمس روح البحث، لأنه يقتضي أن تكون إرادة شرب الماء موجودة بالفعل قبل العطش، و فاعليتها أيضا تامة من غير ناحية التعطيش.
إذن فهذه الإرادة هي التي تحرك نحو المقدمات المفوتة، فلو علم الإنسان أنه سوف يبتلى بالعطش، و ليس لديه ماء، فهو حينئذ، من الآن ينبغي أن يدّخر الماء و يحرزه، و هذا الإدّخار يكون بمحركية إرادة شرب الماء التي هي فعليّة.
و لكن هذا المسلك غير تام أيضا، لما بيّناه سابقا، من أن مجرد تصور العطش لا يحدث شوقا نحو شرب الماء، و إنما الذي يحدث شوقا نحو شرب الماء هو تحقّق القيد، و هو العطش حقيقة و إحرازا.
إذن فهذه الأجوبة تمس روح المشكلة، لكن بعضها لا يفي بالجواب، و بعضها الآخر يفي لكن المبنى فيها غير صحيح.
و الذي يمس روح المشكلة، و يفي بالجواب الصحيح هو، ما تقدّم في بحث الواجب المطلق و المشروط، حيث قلنا هناك: إن الإرادة المشروطة تنحل إلى إرادتين، و بانحلالها إلى إرادتين تنحلّ هذه المشكلة.
و توضيح ذلك هو: إنّ الشخص الذي نفرض أنه سوف يبتلى بالعطش، و يكون وقتئذ عاجزا عن شرب الماء، تارة يفرض أن القدرة على المطلوب الاستقبالي في ذلك الظرف، هي من قيود الاتصاف، أي إنّها دخيلة في اتصاف