بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٢ - ٣- النظرية الثالثة
فهذه الإرادة الفعلية تمنعه أن يصعد إلى السطح، بينما إرادة شرب الماء لا دور لها في عدم الصعود الى السطح، بل هي تبقى تدعو إلى شرب الماء لو وجد العطش، و أمّا قبل العطش، فالذي يمنعه أن يقدم على عطش لا ماء معه، هو تلك الإرادة الثانية المتعلقة بالجامع المتقدم بيانه.
و لعلّ إحساس العلماء بوجدانهم، بأن هناك شيئا «ما» فعليا قبل وجود الشرط، و عدم التفاتهم إلى إمكان تعدد الإرادة، حيث تكون واحدة منها متعلقة بالجامع المذكور، هذا مع حصر النظر على إرادة شرب الماء، كل هذا جعلهم يتخيّلون إن إرادة شرب الماء فعلية قبل العطش، أي إنّ هذه الإرادة المشروطة فعلية من أول الأمر، إذن فهنا إرادتان: إرادة تعيينية لشرب الماء، و هي مشروطة بالعطش، و هي لا وجود لها قبله، و إرادة أخرى لعدم الحصة الخاصة. و هي المتعلقة بالجامع- أي العطش الذي لا ماء معه- و هذه الحصة من العطش يريد عدمها بالإرادة الفعلية المطلقة من أول الأمر، و هذه الإرادة موجودة قبل وجود العطش خارجا.
و بنظر أكثر تحليلية يقال: إنّ إرادة شرب الماء التي هي إرادة تعيينية و تحصل بعد العطش، هي تطور للإرادة الثانية المتعلقة بالجامع، بين اللّاعطش و الماء، أي: ارادة أن لا يعطش عطشا لا ماء معه، و مثل هذه الإرادة يشبّع مطلوبها بواحد من اثنين: فإمّا أن لا يعطش، و إمّا أن يعطش عطشا معه ماء. و هذه الإرادة ذات اقتضاء تحليلي في بداية الأمر، و لكن بعد أن يحدث العطش، يتعين اقتضاؤها و إشباعها في شرب الماء، و تتحول من إرادة تخييرية إلى إرادة تعيينية.
إذن فالإرادة المشروطة بمثابة تطور للإرادة المطلقة، كما في إرادة شرب الماء على تقدير العطش، فإنها تطور لإرادة الارتواء الذي يتحقق بالجامع بين طرفيه اللاعطش و الماء على تقدير العطش في أول الأمر، و يتعين بشرب الماء في آخره.
و الخلاصة: إنّه في موارد الإرادة يوجد إرادة واحدة تخييرية قائمة