بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٤ - ٣- النظرية الثالثة
تكون الباعثية باعثية مطلقة، هذا كله بناء على الالتزام بوجود مرحلتين في عالم الثبوت هما: مرحلة الملاك، و مرحلة الإرادة و الشوق.
و أمّا إذا التزمنا في عالم الثبوت بوجود مرحلة ثالثة اسمها «الجعل و الاعتبار»، حينئذ يقع البحث ثبوتا في حقيقة الواجب المشروط بلحاظ مرحلة الجعل و الاعتبار.
و لكن قبل الدخول في بحث حقيقة الواجب المشروط بلحاظ مرحلة الجعل و الاعتبار، ينبغي أن نوضح إشكالا سابقا في برهان النظرية الأولى مع جوابه، حيث أنهم كانوا قد ذكروا هناك: بأن المولى، قبل أن تتحقق الاستطاعة و العطش خارجا، فهو يصدر الخطاب، مع أن الخطاب إنما يصدره المولى توصلا إلى مراده، و استطراقا إلى مطلوبه، و هذا يكشف عن فعلية الإرادة، و قد أجبنا هناك بجواب إجمالي حيث قلنا إنّ صدور الخطاب- كما ذكر- إنما كان من باب المقدمات المفوّتة.
و لكن تفصيل هذا الجواب الإجمالي، هو أن يقال: إنّ صدور الخطاب من المولى قبل الاستطاعة و العطش، إنما كان بمحركية الإرادة الثانية لا الأولى، حيث قلنا فيما تقدّم: إنّ المولى له إرادة فعلية مطلقة متعلقة بجامع «أن لا يوجد عطش لا ماء معه». و من الواضح أنه لو لم يجعل هذا الخطاب من أول الأمر، إذن فسوف يوجد عطش لا ماء معه، و حينئذ، فباعتبار التحفظ من ناحية هذه الإرادة الفعلية غير المنوطة يصدر الخطاب، فالخطاب إذن من شئون محركيّة الإرادة الثانية دون الأولى.
٣- المرحلة الثالثة: من مراحل الحكم هي مرحلة الجعل و الاعتبار بعد مرحلتي الملاك و الإرادة، و هذه المرحلة و إن لم يكن لها أي أثر في مقام الثبوت، لأن تمام الأثر في نظر العقل إنما هو عالم الملاك و الإرادة مع تصدّي المولى لإبرازهما و تحصيلهما، و لكن رغم هذا فقد يقال إنّ هذه المرحلة هي صياغة عقلائية