بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤١٧ - * ٢- الجهة الثانية فى اقسام الحكمين الشرعيين
القائلون بإمكان الترتب، يقولون باجتماع الحكمين الفعليّين المنجّزين معا كما هنا، فإنه كما أن خطاب «صلّ» فعلي، فأيضا خطاب «أزل» فعلي، فإذا لم يمتثل و لم يزل، فلا يرفع أحدهما الآخر.
و أمّا إذا قلنا باستحالة الترتب، و قلنا بأنه: لا يمكن اجتماع الأمرين بالضدين و لو ترتبا، فإنه حينئذ لا بدّ من القول و الالتزام بأن أحدهما يرفع موضوع الآخر في مرتبة سابقة على الامتثال، لئلّا يجتمع الخطابان معا، و هذه المرتبة هي الرابعة، أي: كون أحد الخطابين متنجزا، باعتبار أن المحذور عند القائل بامتناع الترتب هو لزوم تكليف العاجز الذي هو قبيح، و تكليف بما لا يطاق بحكم العقل، إذ حينئذ لو كلّف به المولى للزم الأمر بالضدين، و هو تكليف بما لا يطاق.
و لكن هذا المحذور يرتفع لا محالة، إذا فرض أنّ أحد الخطابين لم يكن منجّزا على المكلّف، إذ حينئذ لا يلزم إحراج المكلّف، و حينئذ لا بأس بالأمر بالضدين، لأنه إنّما كان يستحيل الأمر بهما إذا كانا متنجزين، و أمّا إذا كان المتنجز أحدهما دون الآخر، فلا يلزم إحراج المكلف بذلك.
و من هنا فالقائل بعدم الترتب لا يأخذ عدم تنجز أحد الحكمين أو تنجزه قيدا، بل يأخذ عدم وصوله أو فعليته، بينما الصحيح هو أن يأخذ عدم تنجز الخطاب الأهم قيدا، و حينئذ بهذا المقدار من أخذ عدم تنجز الأهم قيدا، يرتفع محذور استحالة الترتب، كما أنه بذلك يرتفع موضوع الخطاب الآخر، لأن جعل الأمر بالمهم مقيّدا بعدم تنجز الأهم، غير ممتنع عقلا.
و عليه يكون إطلاق خطاب المهم الشامل لحالة عدم تنجز الأهم، يكون غير ساقط، و لهذا قلنا: بأنّ الخطابين المتزاحمين يكونان من النحو الرابع.
و صفوة القول هي: إنّه في التزاحم لا بدّ من فرض كون أحد الخطابين مقيّدا بقيد، و هذا القيد يرتفع بالخطاب الآخر.
من هنا فإن القائل بإمكان الترتب، يقول: بأن الخطاب «بالمهم» مقيّد