بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٩ - المسلك الثاني مسلك المقدميّة
أوهمته بعض عبارات الشيخ الرئيس [١]، فإنّه لا موجب للالتزام به.
و توضيح ذلك هو أن يقال: إنّ هذه المعيّة، تارة نفرضها معيّة زمانية، و أخرى نفرضها معيّة رتبية.
فإنّ فرضنا الأولى، و هي كون «ما مع المتقدم متقدّم بالزمان» فهو كذلك صحيح، لكن لا بملاك أنّه مع المتقدم، بل بملاك أنّ نفسه متقدم، على حدّ تقدم ذلك الآخر، فمثلا، زيد الميّت قبل ألف سنة متقدم علينا زمانا، و أخوه عمرو الذي كان معه، هو متقدم علينا أيضا، لكن تقدم أخيه علينا ليس باعتبار أنه مع أخيه زيد، بل تقدم زيد و عمرو علينا كلاهما بملاك واحد، بل معيّته متحققة بتحقق الملاك الزماني نفسه.
و إن فرضنا الثانية، و هي كون «المقارن للمتقدم متقدم رتبة»، فإنّ لهذه العبارة معنيان:
أ- المعنى الأول: هو أنّ «ما كان مع المقارن المتقدم، متقدم رتبة»، يعني أنّه ليس هناك موجب لتقدمه عليه، كما أنه ليس هناك موجب لتأخره عنه، فلا هو علة له، و لا هو معلول له.
إذن فكونه مقارنا له رتبة، تعبير يراد به أمر سلبي فقط، و هو نفي كونه علة أو جزء علة، أو كونه معلولا، فالبياض و عدمه في رتبة واحدة، إذ ليس أحدهما علة للآخر، إذن فلا موجب لتقدم أحدهما على الآخر، و لا لتأخره عنه، و لو ضمنا، و لا أحدهما معلول للآخر و لو ضمنا، إذن فلا موجب للتقدم و التأخر، لأنّ ملاك التقدم و التأخر إنّما هو العليّة، كما أنّه لا يلزم من كون المتقدم علة للمتأخر أن يكون المقارن مع المتقدم علة للمتأخر أيضا.
لكن عدم البياض يوجد موجبا لتقدمه على السواد، لأنّه جزء العلة عند القائل بالمقدميّة، فلا يلزم من ذلك أن يكون ما لا يكون هناك موجبا لتقدمه
[١] النجاة: ابن سينا- ص ٧٢.