بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٧ - الموقع الثاني محذور الشرط المتأخر بلحاظ الملاك
إلى أمور اعتبارية، و أحكام عقلية، لكن ليس من قبيل بحر من زئبق، بل من قبيل التقدم و التأخر، فإن العقل يعتبر حسن العدل و قبح الظلم رغم أنفه أحيانا، فلو أراد أن يشعر نفسه بحسن الظلم، لما استطاع، و هذا معناه أن الحسن و القبح من القسم الثالث.
و بعد هذا يأتي جواب المحقق الخراساني [١] على محذور الشرط المتأخر في الموقع الثاني، فهو يرى أن المحذور إنما يرد لو كان الملاك عبارة عن المصالح و المفاسد: فلو كان الملاك في وجوب صوم المستحاضة هو المصلحة أو شدة الإيمان، حينئذ يرد المحذور، لأن المصلحة من القسم الأول، أي: من الأمور الواقعية و الوجودات التكوينية في الخارج، فيستحيل أن يؤثر فيها الشرط المتأخر عنها، و إلّا استحكم الإشكال، و لزم تأثير المتأخر في المتقدم، و لكن إذا فرض أن الملاك في وجوب صوم المستحاضة إنما هو الحسن و القبح، بناء على الحسن و القبح العقليين، كما لو كان المولى قد أدرك حسنا في هذا الصوم و عليه أوجبه، حينئذ يقال: إنّ الحسن و القبح حيث أنهما من القسم الثالث، أي: من المقولات الاعتبارية العقلية التي لها جنبة واقع، فبالإمكان أن يكون معلولا لأمر اعتباري مثله، لأن الأمر الاعتباري من القسم الثالث يمكن أن يستند إلى أمر من سنخه اعتباري، و هذا الأمر هو إضافة التقدم و التأخر، و العنوان الذي ينتزعه العقل إنما هو عنوان تعقّب غسل المستحاضة لصومها، إذن فالحسن ناشئ من عنوان انتزاعي هو عنوان القبلية الذي هو ناشئ من مقايسة العقل بين الصوم و الغسل، و هذه القبلية حاضرة لدى العقل دائما، فلم يلزم في المقام محذور أصلا، لأن الحسن أمر اعتباري، و قد نشأ من أمر اعتباري مقارن له و هو عنوان القبلية. و هذا العنوان نشأ من مقايسة العقل، إذن فدور غسل المستحاضة الليلي هو أنه أحد طرفي مقايسة العقل.
[١] كفاية الأصول: مشكيني ج ١ ص ١٤٧- ١٤٨.