بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٥ - ٣- النظرية الثالثة
العلم و متعلق الاعتبار في الاعتبار، و أمّا ما يحاكيه في الخارج و يماثله فيسمّى بالمعلوم بالعرض، و المحبوب بالعرض، و المعتبر بالعرض، بمعنى أن هذا المعلوم بالعرض ليس هو متعلق الحب حقيقة، و لا للاعتبار حقيقة، و إنما هو أمر يماثل ما تعلّق به الحب و الاعتبار.
و بهذا يتبرهن على أن المعتبر بالذات دائما موجود في أفق نفس الاعتبار، و يستحيل أن يكون موجودا خارج أفق نفس الاعتبار لما تقدّم من أن الاعتبار من صفات ذات الإضافة، و الإضافة صفة ثابتة في مرتبة ذاتها، و ثبوتها هكذا مساوق لثبوت المضاف إليه.
و عليه فيستحيل أن يكون المعتبر بالذات ثابتا وراء أفق الاعتبار.
و هذا بخلاف المعتبر بالعرض، فإنه ليس معتبر حقيقة، و إنما يسمّى معتبر بالعرض، بمعنى أنه هو المحكي عنه، و المرئي، و المشابه للصورة الذهنية، لوضوح أن الصور الذهنية المقوّمة للحب في أفقه، و للاعتبار في أفقه، هذه الصور، إنما يلحظها المحب، و العالم، و المعتبر، باعتبار حكايتها للخارج، و مرآتيتها للخارج، حيث لا يرى بها إلّا الخارج، و إن كان في الواقع لا يرى الخارج، و إنما يراها هي، و لكن بالنظر الإفنائي يرى بها الخارج، فذاك الخارج بالنظرة الإفنائية المسامحية كأنه هو المحبوب، و المعلوم، و المعتبر، و إن كان بالنظرة التدقيقيّة هو مطابق للمحبوب، لا نفسه هو المحبوب، و كذلك للمعلوم و المعتبر، لا إنّه هو المعلوم و المعتبر.
و على ضوء هذا لا يعقل القول بأن المعتبر يكون موجودا في عالم فعلية الاستطاعة، و تكون نسبته إلى الاعتبارية نسبة المعتبر إلى الاعتبار، و إن كانت نسبة المجعول في وجوب الحج على المستطيع عند الاستطاعة، نسبة المسبّب إلى السبب، و المقتضى إلى مقتضيه، فقد تقدمت الإشارة إلى عدم صحة ذلك أيضا، لأن هذا المسبّب إمّا أن يدّعى أنه موجود خارجي أو موجود نفساني، و كلاهما باطل.