بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٥٣ - صياغة وجوب المقدمة و معنى الموصل المعروض للوجوب الغيري
ربّما يقال: إن احتمال وجود مصلحة في الفعل توجب الإرادة الطولية، و ذلك بإرادة البحث و التأمل في وجود المصلحة في الفعل، و عدم وجودها، فيحصل التصديق ثمّ العزم و الجزم و الإرادة، فلا يلزم تعلّق الإرادة بالإرادة، كي يقال باستحالته.
فإنه يقال: بأن إرادة الفعل غير موقوفة على حصول العلم بالمصلحة فيه، بل احتمالها أيضا كاف لقدح الإرادة نحوه، غايته أنه قد يفرض وجود مشقّة في الفعل، و لذلك لو فرض عدم أيّ مشقّة فيه، لأقدم عليه و أراده، ففي المورد المذكور توجد إرادة للفعل في الواقع، و لكنها ضعيفة بحاجة إلى دفع المزاحم لها بالفحص و التأمل، فلا تكون إرادة للإرادة.
و قد يقال: بأنّ هذا المقدار كاف لإراديّة الإرادة، فإن وجود الإرادة الشديدة إنما جاءت بسبب إرادة دفع المزاحمات، فكانت بالتسبيب إراديّة، و إن لم تكن بنفسها إراديّة، اللّهم إلّا أن يشترط في إرادية شيء نشوؤه عن إرادة مباشرة.
الوجه الثالث: هو أنّ أخذ الإرادة مع سائر المقدمات، لا يجدي في صيرورة المقدمة موصلة، لأنّ مجموعها مع الإرادة أيضا، لا تكون علة تامة كي تساوق الإيصال، و ذلك لما تقدّم من أن حصول الإرادة نحو الفعل، لا يستلزم أن يكون الفعل واجبا بالغير، بل لا يزال ممكن الوجوب، و للمكلّف أن يتركه بمقتضى سلطنته التي قلنا إنّها غير مفهوم الوجوب بالغير.
و الجواب، هو: إنّ برهان اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة، لم يكن يقتضي الاختصاص بالمقدمة التي يستحيل أن ينفك عن ذيها بمعناها المعقولي الفلسفي، إذ لا موجب لأخذ ذلك قيدا، و إنما تمام النكتة و الملاك هو إيجاب المقدمة التي يضمن معها حصول ذي المقدمة بحسب عالم الأفعال الاختيارية الذي هو عالم التكاليف، لا عالم الأفعال الطبيعيّة القسرية الذي هو عالم الوجوب و الامتناع.