بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٠٦ - الجهة الثامنة الملازمة بين وجوب شيء و وجوب مقدمته
إذن فالملازمة لها نحوان:
فإن ادّعي النحو الأول: فهو غير معقول أصلا بين الجعلين، لأنّ الجعل فعل اختياري للجاعل، يصدر منه بالإرادة و السلطنة و الاختيار، فلا معنى لأن يكون جعله لذي المقدمة مستلزما لجعل المقدمة.
و الملازمة القهرية أنما تتعقل بين الأفعال و نتائجها الخارجية، لا بين فعلين مباشرين للفاعل، يستند كل منهما إلى مبادئه من الاختيار و الإرادة، لا لفعل مباشري آخر. إذن فإنشاء الوجوب النفسي لا يعقل أن يستتبع قهرا إنشاء للوجوب الغيري.
و إن ادّعي النحو الثاني: بمعنى كون أحد الأمرين يحقّق داعيا و مناسبة للّازم الآخر، فهو أمر معقول، إذ قد يوجد فعلا مناسبة لفعل آخر، كما لو كانت زيارته لزيد مناسبة و داعيا لأن يزور أباه، و لكن هذا الأمر المعقول غير واقع في المقام، إذ ليس هناك داع لإيجاب المقدّمة في عالم الجعل و الإنشاء، لأن الجعل له داعيان و كلاهما مفقود.
- الداعي الأول للجعل: هو أن يبرز المولى شوقه و عواطفه النفسية، و لذا قلنا سابقا: بأنّ الجعل له دور الكشف عن العالم السابق.
- الداعي الثاني للجعل: هو أنّ المولى يريد أن يعيّن مركز المسئولية و يحدّدها، لأنه قد يشتاق إلى شيء، و لكن يلقي في عهدة المكلّف بعض مراحل هذا الشيء لا نفسه، فمثلا، المولى يشتاق فيما يشتاق إليه، إلى أن يكون المكلّف بعيدا عن الفحشاء و المنكر، و لكن لا يريد أن يجعل ذلك في عهدته، لأنه لا يحسن التصرف، فيجعل في عهدته مقدمة المحبوب و هو الصلاة، مع أن الصلاة هي ذي المقدمة و ليست المقدمة، و لكنه يدخل المقدمة في العهدة، و يكون هذا الجعل بالجعل و الاعتبار و الإنشاء، و بهذا الجعل يحدّد أنّ ما يدخل في عهدته «ما هو» فيدخل المقدمة في العهدة.
- و إن شئت قلت: إنّ الداعي الثاني للجعل هو أن يكون المولى في مقام