بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٠ - ٣- النظرية الثالثة
في نفس المولى، و أمّا كون المانع مفقودا، فلأن المانع هو لزوم التحريك نحو أمر غير اختياري، و المفروض أن هذا النوع من القيود اختياري، إذن فلا يلزم التحريك نحو أمر غير اختياري، و إن فرض كون قيود هذا القسم أنها غير اختيارية و لكنها قيود في ترتب المصلحة خارجا، لا في اتصاف الفعل في كونه ذا مصلحة، كما لو فرض أن طلوعا من نهار شهر رمضان قيد في ترتب المصلحة و وجودها، لا في اتصاف الصوم بأنه ذو مصلحة، و لكن هذا القيد غير اختياري، في مثل ذلك لا يعقل سحبه من دائرة الوجوب، و أخذه محضا في الواجب، بل لا بدّ من أخذه في دائرة الوجوب، مضافا إلى أخذه في الواجب، إذ لا يعقل إطلاق الوجوب من ناحيته، و إن كان مقتضي إطلاق الوجوب موجودا، لأن المفروض أن هذا القيد ليس دخيلا في اتصاف الفعل في كونه ذا مصلحة، إذ لو كان يمكن للمولى أن يجعل الوجوب مطلقا لجعله، و لكن لوجود المانع.
و ذلك لأن الوجوب إذا كان مطلقا و غير مقيد بذلك القيد، إذن سوف يكون مطلقا من ناحيته، و إذا كان مطلقا من ناحيته، يلزم كونه محركا نحو المقيّد حتى في حالات عدم وجود القيد، و هو تحريك نحو أمر غير اختياري، و هو غير معقول.
نعم هناك استثناء واحد لهذا الحكم و هو فيما إذا أحرز المولى في نفسه، أن القيد سوف يوجد خارجا في حق جميع المكلفين الذين جعل الخطاب في حقهم، و أن الفجر طالع يقينا، حينئذ و إن كانت قيود الترتب و الوجود قيودا غير اختيارية، و لكن لمّا كان المولى في نفسه يعلم بوجودها، حينئذ لا بأس بجعل الوجوب مطلقا من ناحيتها، لأن إطلاق الوجوب من ناحيتها غاية ما يلزم منه هو محركية الوجوب نحو المقيّد، بقيد غير اختياري، و لكن المقيد بقيد غير اختياري سيكون وجوده اختياريا، و إنما يكون القيد بغير الاختياري غير اختياري فيما إذا لم يضمن وجود القيد الغير اختياري، و أمّا في حالة ضمان وجود القيد غير الاختياري حينئذ يكون المقيّد به اختياريا لا محالة.