بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٦ - المسلك الثاني مسلك المقدميّة
و حينئذ بغض النظر عن هذا البرهان، نبقى مع الشق الأول و الثاني.
و الأول معناه اقتضاء المحال و لو بإطلاقه، لأنه إذا كان يقتضي البياض حتى في الأسود، فمعناه أنه يقتضي تسويد الأبيض، و هو محال، فيتعيّن الشق الثاني، و مفاده أن مانعيّة السواد للبياض تفترض مسبقا وجود كلا المقتضيين، و هذا محال، إذ لو وجدا، لزم كون كل منهما مقتضيا للمحال و لو بإطلاقه، فإذا لم يتم المقتضي، فالعدم مستند إلى عدم المقتضي، لا إلى المانعية.
و بهذا يمكن تقريب برهان الميرزا، و إن كان يحتاج إلى مناقشة أخرى.
و لكن من دون مناقشة يمكن أن يقال: بأنّ تمامية كلا المقتضيين تؤدي إلى المحال، إذن فلا بدّ من القول: بأن ما يقتضي البياض إنما يقتضيه مشروطا بعدم السواد، و هو معنى مانعيّة المقتضي، لا نفس الضد، و حينئذ لا يكون مقتضيا للمحال.
و الصحيح هو أن يقال: إنّ فرض استحالة تمامية المقتضي لكلا الضدين من باب أن مقتضي المحال محال، معناه: الاعتراف باستحالة اجتماع الضدين.
و حينئذ ننقل الكلام إلى هذه الاستحالة و نسأل: هل إنّ هذه الاستحالة هي استحالة بالذات أم إنّها استحالة بالغير. بمعنى أن ماهية البياض تأبى عن وجود جمعي مع السواد أو إنّ الوجود الجمعي للسواد، ممتنع بالغير باعتبار امتناع علته، لأن أحد أجزاء علّته هو عدم ذاك؟ فإن فرض أنها بالغير أي:
من باب عدم تمامية علته كما ينبغي أن يقول الخصم، فهذا الممتنع بالغير قد يكون له مقتض ليس بمحال، لإمكان وجود مقتض لما هو محال بالغير من قبيل اجتماع المقتضي مع المانع كاجتماع النار مع الرطوبة، فإنّ مقتضي الممتنع بالغير أمر معقول، و لا تصدق عليه قاعدة «إنّ مقتضي المحال محال» لأن تلك القاعدة إنما تصدق في الممتنع بالذات، و قد فرضنا أنّ هذا ممتنع بالغير.