بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠١ - الجهة الثالثة من الواجب النفسي و الغيري، هي في استحقاق العقاب و الثواب على الأوامر الغيرية،
فلا بدّ أن لا يتخلّف عن المولى، كما أن عضلات المولى لا تتخلّف عن المولى، فكما أن المولى يحرص على أن لا ينفعل و لا يتألّم، كذلك العبد فإنه يجب عليه أن يحرص على أن لا ينفعل المولى و لا يتألم، فالعقل يدرك أن للمولى على العبد حق الطاعة بمقدار بحيث لا ينفعل، أو ما يعوّض عن الانفعال في مولى أجل من الانفعال، لأن مفروض الكلام بلغة البشر لا بلغة تنطبق على المولى الحقيقي سبحانه و تعالى، و إنما يعبّر بهذا التعبير القاصر من باب ضيق الخناق، و الخلاصة: إن الذي يحكم بحق الطاعة يحكم أيضا بحق الطاعة على موضوع ذاك العقاب الانفعالي، فموضوعه هو موضوع ذاك العقاب الانفعالي، فالعقل يقول: إن ذاك العقاب الانفعالي إذا صدر من المولى، فهو في محله، و إذا صدر من غيره فهو في غير محله.
فلو فرضنا أن شخصا مولى طلب الماء من عبده، و شخصا غير مولى طلب الماء من عبده، و كلا المأمورين لم يأتيا بالماء، فإن فعل كلا الموليين و عاقبا عبديهما، فهنا معنى حكم العقل بحق الطاعة كان يقول: إن هذا العقاب الانفعالي صدر من أهله، و وقع في محله، بينما العقاب الآخر الانفعالي لم يصدر من أهله، و لم يقع في محله. فالعقل لا يزيّد العقابات التي تقع بحسب تسلسل عالم الطبيعة، و إنما يصنف هذه العقابات من المنفعلين بحسب درجات استعلائهم على المعاقبين، إذن فيتطابق حينئذ العقاب المولوي على العقاب الانفعالي.
و نتيجة ذلك: إنّ مخالفة الأمر الغيري، بما هي مخالفة الأمر الغيري، لا تكون منشأ لاستحقاق العقاب، و إنما المنشأ لاستحقاق العقاب هو مخالفة الأمر النفسي.
نعم قد يكون فوات الأمر النفسي حاصلا من حين ترك المقدمة، بأن يفرض أن المكلف إذا لم يوقع هذه المقدمة في وقتها، فلا يتمكن من إيقاعها بعد ذلك، حينئذ بمجرد تركه للمقدمة فيستحق اللوم و العقاب، و لكن ليس عقابا على مخالفة الأمر الغيري، بل عقاب على مخالفة الأمر النفسي، و عليه