بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٤١ - التنبيه الثاني
الحج، و في مثل ذلك لا يدخل هذا في بحث المقدمات المفوتة بالمعنى المتقدم لها، لوضوح أن المكلّف لو لم يتعلّم قبل الاستطاعة، و أهمل التعلم إلى حين الاستطاعة، لا يكون عاجزا عند الاستطاعة، بل هو قادر على الحج أيضا، غاية الأمر أنه غير قادر على الجمع بين المحتملات، أي الموافقة القطعيّة، و إن كان قادرا على أصل الحج.
و من الواضح أن المقدمات المفوتة التي تكلمنا عنها، إنما هي سنخ مقدمات بحيث لو لم يأت المكلّف بها قبل ظرف الواجب، «ذو المقدمة» فإنه يصبح عاجزا عنها، أمّا هنا فهو غير عاجز، لأن خطاب الأمر بالحج سوف يتوجه إليه حين الاستطاعة، و حينئذ هل يكون هذا المكلف ملزما بالتعلّم قبل الاستطاعة أم لا؟.
الجواب: إنّه نعم يكون ملزما بالتعلم قبل الاستطاعة، و ذلك بعد ضمّ أمرين: أحدهما هو وجوب تحصيل الموافقة القطعية الذي يحكم به العقل، و الأمر الثاني، هو أن التفويت بالاختيار لا ينافي الاختيار، و بضم هذين الأمرين إلى بعضهما يقال: بأن هذا المكلّف لو ترك التعلم قبل الاستطاعة ثمّ استطاع، فهو سوف يكون مضطرا إلى ترك الموافقة القطعية، و الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية لعجزه فعلا عن الجمع بين الطرفين، و لكن اضطراره إلى ترك الموافقة القطعية كان بسوء اختياره من أول الأمر، فهو من الامتناع بالاختيار، فلا يكون منافيا للاختيار، إذن فيحكم عليه بلزوم التعلّم لئلا يصدق عليه التفويت الاختياري للموافقة القطعية.
و هذا هو الفرق بين الفرض الثاني هنا، و الفرض الثاني في الصورة السابقة، لأن الفرض هناك لم يكن يحتاج إلى ضمّ قاعدة أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار بخلافه هنا.
ج- الفرض الثالث: هو أن المكلّف لو ترك التعلّم قبل الاستطاعة لم يفته شيء، إذ يمكنه أن يتعلم بعد الاستطاعة، أو أن يحتاط بعد الاستطاعة، و هذا، لا إشكال في عدم وجوب التعلّم بالنسبة إليه.