بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٢ - الجهة الثانية و هي في تأسيس الأصل اللفظي و العملي
البراءة عن الوجوب النفسي المحتمل للمقدمة، و تجري أصالة البراءة عن الوجوب النفسي المحتمل لذي المقدمة.
المقام الثاني: هو فيما إذا كان عندنا ضدّان عرضيان و لهما ثالث، من قبيل استقبال القبلة و استدبار القبلة، فإنهما ضدان لهما ثالث، و هو أن لا يستقبل و لا يستدبر، و علم إجمالا بأنه إمّا الاستقبال واجب، و إمّا الاستدبار حرام، و هذا العلم الإجمالي ينطبق عليه هذا القانون، و ذلك لأن مخالفة أحد الطرفين، و هو حرمة الاستدبار- الذي يكون بالاستدبار- تكون مستلزمة لمخالفة وجوب الاستقبال دون العكس، فإن مخالفة وجوب الاستقبال يكون بترك الاستقبال، و ترك الاستقبال لا يلزم منه استدبار القبلة، إذ لعلّه يترك الاستقبال و لا يستدبر، فهنا لا تجري أصالة البراءة عن حرمة استدبار القبلة لأن الاستدبار ملازم مع المخالفة القطعية، فتجري البراءة عن وجوب الاستقبال بلا معارض.
المقام الثالث: هو ما إذا وجد عندنا أمران وجوبيان و كانا متغايرين، و كان أحدهما أخص موردا من الآخر، و علم بوجوب أحدهما، من قبيل أن نعرض وجود منارة في دار، و علم إمّا بوجوب استقبال المنارة عن قرب، و إمّا بوجوب استدبار الدار التي فيها المنارة، و هنا استقبال الدار التي فيها المنارة عن قرب يلزم الاستدبار، و لكن الاستدبار لا يلزم من الاستقبال عن قرب، إذ قد يستدبر حائط الدار التي فيها المنارة من خراج الدار، فلو علم إجمالا بوجوب استدبار هذه الدار، أو بوجوب استقبال المنارة عن قرب، حينئذ يقال: إنّه لا تجري أصالة البراءة عن وجوب استدبار حائط الدار، لأن ترك استدبار حائط الصحن مساوق للمخالفة القطعية على كل حال، لأن من ترك استدبار حائط منارة الدار، فقد ترك الاستقبال عن قرب، بخلاف وجوب استقبال المنارة عن قرب، فإن مخالفة الاستقبال لا يلزم منه ترك الاستدبار رأسا، فتجري البراءة عن وجوب استقبال المنارة عن قرب بلا معارض، و هذا إنما يكون في كل أمرين وجوديين متغايرين مورد أحدهما أخص من مورد