بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٠٨ - الجهة الثامنة الملازمة بين وجوب شيء و وجوب مقدمته
إثبات عليّة النار للإحراق، فإن الإنسان مهما أوتي من قوة الفكر، يبقى عاجزا عن ذلك، دون أن يهتدي إليه، ما لم يجرب و يضع يده في النار، حينئذ يدرك اقتران المعلول بعلّته، أو يرى أثار المعلول، دون أن يملك في هذا الاستتباع و الاقتران أيّ اختيار.
و هذه هي الطريقة العامة لإثبات أيّ سببية محتملة بين شيئين، و لا ينبغي سلوك طريقة البراهين القبلية لإثبات أنّ حب ذي المقدمة علة لحب المقدمة، بل لا بدّ من الاستقراء و الملاحظة و التجربة الوجدانية التي وعاؤها النفس، حيث لا مطمع في برهان إلّا الوجدان، إذ هو الذي يدرك التلازم بين إرادة الواجب النفسي و بين مقدماته، و أن الإنسان دائما كلّما أراد شيئا أراد مقدماته تبعا لمراده النفسي [١].
و هذا الوجدان لم ينكره حتى أولئك الذين التزموا رسميا بعدم وجوب المقدمة، كالسيد الخوئي (قده) [٢]، حيث يصرح بذلك الوجدان ثم يستدرك على نفسه، بأنّ هذا ليس قولا بوجوب المقدمة، إذ الوجوب حكم شرعي بينما الشوق ليس حكما شرعيا.
و لكن الصحيح إنّ هذا القول هو قول بالوجوب، إذ إنّ النزاع ليس في الألفاظ، و إنما البحث في وجوب المقدمة بالقدر الذي يحقّق ثمرة النزاع، و الثمرة هي وقوع التعارض بين دليل الأمر بالإنقاذ، و بين دليل حرمة الغصب، بناء على القول بوجوب مطلق المقدمة، لأنّ خطاب «أنقذ» يترشح منه وجوب غيري على دليل «الغصب»، فيجتمع دليلان على شيء واحد و هما «أنقذ و لا تنقذ»، بينما لا يقع التعارض على القول بعدم الوجوب، و لكن بعد اعترافنا بترشح حب مولوي من ذي المقدمة مطلق على المقدمة يقع التعارض.
و نحن لسنا وقفا على اصطلاحات الحكم، بل نحن تبعا للثمرة، إذ لا
[١] بل تكاد تكون إرادة المقدمات شأنا تكوينيا من شئون المراد للنفسي الأصلي.
[٢] أجود التقريرات: ج ١ ص ٢٣١.