بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢١٥ - الجهة الرابعة و هي في الكلام عن خصوصية أخرى للأمر الغيري
العبادية، فإنه لا بد من قصد التقرب بالمقدمة ليتحقق الغرض الغيري المقدمي.
و كأنه وقع خلط بين توصليّة الواجب الغيري، فإن الغرض منه هو التوصل به إلى ذي المقدمة، و ليس الغرض نفسه، و بين التوصليّة بمعناها المقابل للتعبّديّة و قصد التقرّب.
و أمّا بالنسبة لما أشار إليه المحقق الخراساني من مدخليّة العباديّة في مقدميّة المقدمة، فكان يغنيه عن التطويل لو قال مباشرة: إن العباديّة بنفسها دخيلة في المقدميّة.
و رغم هذا، فإنّ بيانه غير صحيح في نفسه، ذلك لأنّ هذا البيان ينتج كفاية الأمر الغيري وصفا، لا غاية، إذ أن الأمر الغيري تارة يكون مقصودا غاية بحيث يكون هو المحرّك، و أخرى يقصد وصفا، و إن كان الغرض و المحرّك شيئا آخر، فتكون نيّة المكلّف هي: أنه يأتي بالوضوء الذي تعلّق به الأمر الغيري، و لو سئل أنه لما ذا يأتي به؟ سيقول: من أجل التبرّك، فلم يأخذ الأمر الغيري غاية، بل أخذه وصفا لأجل أن يقصد ذاك العنوان الإجمالي، فهذا البيان يلائم مع قصد الأمر الغيري وصفا، كما يلائم مع قصده غاية.
مع أنه من الواضح أن قصد القربة المعتبر في الوضوء، إنّما هو بمعنى كون المولى، و أمر المولى، غاية للعمل، لا مجرّد كونه وصفا و قيدا في مقام تعنون هذا العمل.
إذن فهذا البيان لا يفيد، و إنما المفيد هو البيان الأول، حيث يقال: بأن العباديّة بنفسها دخيلة في مقدميّة المقدمة، و بهذا يندفع الإشكال الثاني.
التقريب الثالث: و هو تعميق أكثر للإشكال، حيث يسلّم بأن العبادية و القربيّة دخيلة في حاق المقدميّة، و أنّ ماهية المقدمة عبارة عن الوضوء القربي العبادي. إذن، فالأمر الغيري متعلق بالوضوء العبادي بما هو عبادي، لأن الأمر الغيري إنما يتعلق بما هو مقدمة، و ما هو مقدمة إنما هو الوضوء