بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٠ - النظرية الأولى
التحريك نحوها حينئذ، لأن شروط المراد هي شروط الواجب، فإن كانت الإرادة تكوينية، كما في مثال شرب الدواء، فإنه إن أراد شر به فيلزم أن يتحرك نحو تمريض نفسه حتى يتحقق قيد مراده، و إن كانت الإرادة تشريعية كما لو أراد من الغير أن يشرب الدواء عند المرض أو الوضوء عند الصلاة- و في كلا المثالين القيد للمراد- فيلزم إلزام العبد و تكليفه من قبل المولى.
فالجواب إنّ هذا الشرط المنوطة به الإرادة، و إن كان مأخوذا في المراد، لكنه مأخوذ فيه على نحو لا يترشح الإلزام من الإرادة إليه، بحيث لا يعقل الإلزام به، بخلاف سائر القيود الأخرى، فإنه يعقل الإلزام بها من قبل تلك الإرادة، كما لو أراد المولى من عبده أن يشرب الدواء عند المرض في كأس نظيفة، فهنا قيدان: أحدهما، أن تكون الكأس نظيفة، و هذا القيد يترشّح الإلزام عليه من قبل هذه الإرادة.
و القيد الثاني: هو أن يكون عند المرض.
و لكن هذا القيد الثاني، لا يترشح عليه الإلزام من قبل هذه الإرادة و إن كان قيدا في المراد، و وجه عدم الترشح هذا هو: أن هذا القيد أخذ بوجوده الاتفاقي قيدا في الواجب لا بوجوده المطلق، أي: أخذ المرض قيدا بشرط أن لا يكون ناشئا من محركية هذه الإرادة، و مثل هذا القيد يستحيل الإلزام به من قبل هذه الإرادة، لأنه بمجرد الإلزام به من قبل هذه الإرادة يخرج عن كونه مصداقا للقيد المفروض. إذن فالقيود هي قيود للمراد دون أن يكون للإرادة قيد أصلا، و إنما الإرادة فعلية التحقق و الوجود دائما، و إن ما يسمّى قيدا للإرادة، إنما هو قيد للمراد، لكنه أخذ قيدا بوجوده الاتفاقي الغير ناشئ من هذه الإرادة. و لذا يستحيل الإلزام به من قبل هذه الإرادة، و هذه النظرية قد تبدو غريبة، حيث أنها أرجعت كل القيود إلى المراد، و أعفت حتى الإرادة المشروطة من شرطها و أرجعتها إلى كونها شرطا للمراد.
و بهذا لم يبق فرق بين إرادة المولى شرب الماء من عبده، و بين إرادته منه شرب الدواء عند المرض، فكلتا الإرادتين فعلية، و إنما الفرق بينهما في