بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٨ - الموقع الثاني إشكال أخذ الشرط المتأخر في عالم المجعول
بحدوث الاستطاعة، و فعليّة وجوده بفعلية وجود الاستطاعة خارجا، إمّا أن يكون نسبته إلى ذلك الجعل من قبل المولى نسبة المجعول إلى الجعل، و إمّا نسبة المسبّب إلى السبب، يعني أن هذا هو مجعول ذاك الجعل، أو مسبّب ذاك السبب، فإن كانت النسبة بين الشيء الحادث عند الاستطاعة و بين جعل لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، إن كانت النسبة هي نسبة المجعول إلى الجعل، فهذا مستحيل، لأن نسبة المجعول مع الجعل نسبتهما نسبة الوجود و الإيجاد، فإن الجعل إيجاد و المجعول وجود، و الإيجاد و الوجود متحدان حقيقة، و متغايران اعتبارا، فلو كان هذا هو مجعول ذاك، إذن لكان عينه، و استحال أن يتخلّف عنه، لوحدة الإيجاد مع الوجود، إذن فلا يمكن أن تكون نسبة هذا الشيء الحادث إلى ذلك الجعل، نسبة المجعول إلى الجعل، لأنه خلف تعددهما و تغايرهما و تعدد الفترة بينهما، مع أن الوجود و الإيجاد متحدان حقيقة.
و إن كان نسبة هذا الشيء الحادث إلى ذلك الجعل، نسبة المسبب إلى السبب. و نسبة المقتضي لمقتضيه- و لا عجب، إذ كثيرا ما يوجد المقتضي بدون مقتضى لمدة من الزمان، ريثما تستكمل شرائطه فيحدث- فإن قيل إنّ النسبة هي هكذا، نسبة المقتضى إلى المقتضي، و المسبّب إلى السبب، فيكون أقل محذورا من الأول، لكنه باطل في نفسه أيضا، لأن هذا المسبب، و هذا المقتضى الذي يحدث حين وجود الاستطاعة، إمّا أن يحدث في عالم الخارج، خارج نفس المولى و الجاعل، أو في عالم نفس الجاعل، و كلاهما باطل. أمّا كونه باطلا إذا حدث في عالم خارج نفس الجاعل، فلوضوح أن الوجوب ليس من الحقائق الخارجية كالبياض، و الصفرة، و الحرارة، و البرودة، بحيث يوجد شيء في الخارج اسمه «الوجوب». و أمّا كونه باطلا إذا حدث في عالم نفس المولى و الجاعل كشيء جديد، بمعنى أن المولى عند ما يستطيع شخص، يحدث في نفسه شيء جديد، فهذا غير صحيح، لأن فعلية الحكم تابعة لواقع وجود الاستطاعة خارجا، سواء التفت المولى إلى ذلك، أو لم يلتفت، اعتقد بوجود الاستطاعة أو لم يعتقد، إذن فكيف يتصوّر أن يكون