بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٤ - المسلك الثاني مسلك المقدميّة
رابعا: هو إن عدم عدم السواد لو فرضناه هو العلة، فالنتيجة، إنّ السواد معلول لعدم البياض، بمقتضى القول بالمقدمية، و عدم البياض معلول لعدم عدم السواد عند المحقق الأصفهاني (قده)، فينتج أنّ السواد معلول لعدم عدم نفسه، بل إنّ عدم السواد أصبح علة للسواد.
و حينئذ نقول: بأن هذه العليّة مستحيلة، إذ كما أن عليّة الشيء لنفسه مستحيلة، كذلك عليّة عدم عدم السواد للسواد مستحيلة.
و تقريب استحالة عليّة عدم عدم السواد للسواد هو أنّ يقال: إنّ عدم السواد لو صار علة للسواد لكان ظرف عليّته و مؤثريته في طول الفراغ في ارتفاع نقيض السواد، فتكون عليّته مقيّدة لا محالة بارتفاع أحد النقيضين، و لا محالة أنّ الطرف المقيّد لا يمكن أنّ لا يقع فيه النقيض الآخر، بل يكون وقوعه ضرورة، و على هذا تستحيل العليّة و المؤثرية.
و بتعبير آخر يقال: إنّ العليّة و المؤثرية مقيّدة في المقام بثبوت ذات العلّة، و ذات العلة هي نفس النقيض، و هذه العليّة المقيدة لا يوجد في ظرفها أيّ إمكان لمعلولها، بل يخرج من الإمكان إلى الوجوب الذاتي غايته ما دام مقيّدا، أي: ضرورة «ماداميّة»، و معها تستحيل المؤثرية، فمثلا بعد فرض أربعة، يستحيل أنّ يوجد عليّة لزوجيتها، و علية فيبقى إشكال الدور مسجّلا.
و إن شئت قلت: إنّ عدم العدم، إن أريد به إضافة العدم إلى واقع العدم، فهو مستحيل، لأنّ الوجود و العدم عارضان على الماهيّة، لا على واقع الوجود أو العدم، إذ إنّ اتصاف واقع الوجود بالوجود أو بالعدم، و كذلك اتصاف واقع العدم بذلك، مستحيل، لأنّه يستلزم التناقض، أو إثبات الشيء لنفسه، و إن أريد انتزاع مفهوم اعتباري للعدم، و إضافة العدم إليه على حدّ إضافته إلى الماهيّات، فهذا المفهوم أمر اعتباري ذهني محض، و يستحيل أن يكون عدمه علة للوجود الحقيقي، كما هو لازم جواب المحقق الأصفهاني عن الدور، و عليه فيبقى إشكال الدور مسجلا.